(1)
بينما كانت سديم تصعد مدرّج التّكريم لجائزة الموظّف الأكثر عطاءً في الشّركة التي تعمل فيها، ويتداخل صوت كعبها الأسود والتّصفيق المنبعث بحرارةٍ من الجماهير الجالسة مع وميض الكاميرات الملتقطة للصور - لم تعلم أنّ والدتها المريضة في التّوقيت نفسه كانت تسقط على عتبات الدّرج في المنزل، مع آهاتٍ قصيرة ونداءاتٍ مقطوعةٍ محفوفةٍ بالخيبة والفراغ.
حملت سديم درعها التّذكاري، والباقة التي أهدتها لها أقرب صديقةٍ لها في الشّركة، غيداء. وحينما كانت تسير بخطاها الواثقة وابتسامتها، امتقع وجهها، تبهدل وتبدّل، وقع هاتفها من يدها، فور مشاهدتها لعددٍ من المكالمات الفائتة، تصحبها رسالةً قصيرة من خالها طه، بأن عليها أن تأتي فورًا إلى المستشفى؛ لأنّ أمها دخلت جناح العناية المركّزة. لم تر هذه الرّسالة إلا بعد مرور ساعةٍ من توقيتها الأصليّ، رفعت الهاتف الذي خُدِشَ، شهقت بصدمة: أمي؟! تراوح إلى سمعها كلام خالها: أين أنتِ؟ أمّكِ في خطرٍ وفي حالةٍ حرجةٍ، وأنتِ لا تعلمين شيئًا؟! كيف تتركينها هكذا في المنزل بمفردها وأنتِ تعلمين بوضعها الصّحيّ؟
سديم اليتيمة، كانت لأمّها، وكانت أمّها لها، كلاهما تعيش من أجل الأخرى رأفةً بالأخرى. تكبّدت الأمّ العناء لإخراجها حيّةً من رحمها، منذ لحظة ولادتها القيصريّة، ثمَّ صرفت كلّ ما لديها من قوى وجهدٍ ومالٍ لتمكين ابنتها منذ أن كانت رضيعةً بلا أبّ. أمّا بالنسبة إلى سديم، فالحقّ أنّها لم تهمل والدتها يومًا، لكنّ هذا التّوقيت كانت اضطراريًّا وبلا تخطيطٍ مسبَق. وما دون ذلك فإنّها لصيقة بأمّها، المعتنية بها، والقاضية لحوائجها. مع ذلك، ولأنّ الأمّ كانت رحيمةً بالبنت، وتستشعر أنّها تودّ أن تخفّف عنها كي تجد ابنتها طريقها في الحياة، فإنّها كانت تطلب أحيانًا المساعدة من إخوتها وأخواتها، ومن هنا، فإنّ صورة الابنة التي كانت تظهر على أنّها مثاليّةٌ في وظيفتها، وذات إنجازٍ مستمرّ، أثارت شيئًا من حفيظة العائلة، بدعوى أنّها: لا تهتمّ إلا بشؤونها، وأنّ الأمّ من مسؤوليتها.
في ذلك اليوم، قالت الأمّ: رافقتكِ السّلامة، فلتأنسي بالحفل يا عزيزتي. ولم تخبرها بأنّها تشعر بأنّ هناك ما يشبه الاضطراب الهضمي والانتفاخ بالقرب من معدتها، عند جوف قفصها الصّدري. ازداد الانقباض فجأةً مع خطواتها على السُّلَم، وتعثّرت إثر الوجع الأخير في خطوتها. تلك كانت أمارةً من أمارات الذّبحة الصّدريّة، لكنّها لم تدرك ذلك، ستلقى الأمّ حتفها وتنتهي حكايتها، مع خطواتها في الموت على العتبات، لكن لا سديم، ولا خالها، ولا أيّ أحدٍ عَلِمَ بذلك، إلا بعد أن توقّف جهاز النّبض عن أيّة إشارةٍ حيويّة. فهل كانت الأمّ ستعيش على الإنعاش القلبيّ لولا الضّربة التي أصابت رأسها؟ وهل كانت ستعيش لولا التأخّر الذي حصل لنقلها إلى المشفى؟ ثمَّ كيف عَلِمَ الأخ أصلًا بإصابة أخته؟ هل استشعر ذلك، أو كان مندفعًا بوحيٍ ما؟ طه نفسه لم يدرِ كيف فكّر بأن يأخذ شيئًا من الرِّطَب إلى منزلها ذلك اليوم، ودُهِشَ كونه وجد الباب الآلي للمرآب مفتوحًا، ما يدلّ على أنّ أحدهم نَسِيَه على استعجال.
بُهِتَت سديم، كانت أنظارها إلى الغرفة التي تغمض فيها والدتها عينيها، تفترش السّرير الأبيض، استقبلت أشكال اللّوم والعتاب المختلفة من عائلتها بحفاوة وبصمتٍ مطبق، طوال وقوفها بجَلَدٍ أمام الغرفة، فهم لا يعلمون شيئًا، ولا يريدون أن يعلموا شيئًا أيضًا، وهم لا يسمعون، ولا يريدون أن يسمعوا أيضًا. امتعضت خالتها لمياء ممّا ترتديه، متحدّثةً بثرثرةٍ طويلةٍ عن الدّبوس المشبوك على صدرها، المكتوب فيه: "الموظّف الأكثر عطاءً"، مشيرةً إليه أكثر من مرّة في حَنَقٍ وتذمّرٍ متكرّر. لا توجد استجابةٌ من سديم، لم يتحرّك التّمثال إلا عندما أعلنت الممرضة تعزيتها الحارّة لوفاة السيّدة سهاد بنت محمّد، أمّ سديم. كانت الحركة متباطئة، دمعاتٌ صامتةٌ تجري على خديّ سديم، ولحظاتٌ من شبه غيبوبةٍ؛ إذ إنّ وعيها انتقل إلى العالم الآخر، حيثما تودّع روح والدتها بسكينةٍ ووقار والتحامٍ شجيّ أخير.
(2)
ذبلت زهرات الباقة تدريجيًّا، تلك التي أعطتها صديقة سديم لها يوم تكريمها، بالرّغم من أنّها وضعتها في الماء، وجدّدته أكثر من مرّة. كلّما رأت سديم علامات الموت في شيءٍ يجعلها تحزن، يتمزّق قلبها قِطعًا؛ لعجزها عن فعل شيءٍ لردّه. تولّد لديها الاعتقاد بأنّها السبب، كما قال لها خالها، تارَةً تقول لنفسها: لو لم تذهب ذلك اليوم إلى الحفل التكريميّ لما حدثت المأساة، وكانت ستتفاداها، وتارة أخرى تقول أيضًا إنّها لم تتصدّق في ذلك الشّهر، فلم تدفع الشرّ عن أمها، وحينًا تستغرق في تأمّلاتٍ وحشيّة، تهاجمها دون صدّ، تفكّر أنّها لم تكتشف أنّ أمها تتألّم في ذلك اليوم سرًّا، ولم تسألها عن حالها الحقيقيّ، وتفكّر أنّها قدّمت سعادتها عليها، وتفكّر بأنّ كلام خالتها لمياء قد يكون حقيقةً: أنّها قصّرت في الآونة الأخيرة في عطائها لأمها في مقابل عطائها للشركة؛ لتكون ناجحة، وأنّ الأمّ قد شكت إليها الوقت الطويل الذي تستغرقه في العمل، وتشتاق لرؤية وجهها البدريّ كثيرًا. لكن، ولسببٍ ما في نفس الخالة، لم تخبر سديم بالجزء الآخر من القصّة.
ذات صباح، بعد انقضاء اثنين وعشرين يومًا من وفاة والدتها، استيقظت سديم متأخّرةً عن العمل للمرّة الأولى، ورأسها لا يصمت، بل إنّه لم يهدأ منذ البارحة. ثمَّ تجلجل صدى الدّرع الزّجاجيّ الذي هشّمته سديم قطعًا تتلامع من ضوء النّافذة المنبعث على أرضيّة الغرفة. أغلقت السّتارة، وجلست واضعةً رأسها بين ركبتيها، وذهبت في انهيارٍ بنحيبٍ لا يسمعه إلا جدران البيت الفارغ، وخزانة الملابس التي تحتوي حذاء الكعب الأسود في صندوقٍ مغلقٍ بإحكام.
تكرّر تأخّرُها عن موعد العمل أربع مرّات، واستقطعت من رصيد إجازاتها مرّتين، خلال شهرٍ واحد. وليس هذا فحسب ما حدث طيلة هذه المدّة، إذ تراجع أداؤها قليلًا عن المعتاد، كانت مشتّتةً وأصبحت تحسّ بأنّ تحريك إصبعها على الحاسوب غدا ثقيلًا. قال لها رئيس القسم في يومٍ من الأيّام الماضية: "نحن نقدّر ما تمرّين به من ظروف، وأنّ ما جرى صعبٌ عليكِ، ولكن لا تنسي أنّكِ بطلة هذا الموسم، نرجو أن تكوني بخير". فابتسمت. تقول لها صديقتها غيداء: "هل أنتِ على ما يرام؟ هل أُعِدُّ لكِ شايًا؟". كانت تتمتم بأن لا بأس، وأنّها بخير، وأنّ العمل في الحقيقة هو ما يشغلها عن التّفكير المؤرق، ثمّ أنهت كلامها بابتسامةٍ أخرى. أعدّت الصديقة الرؤوفة كوبًا من الشّاي، وقدّمته لسديم، ما إن كادت تتناوله، تراخت يداها قليلًا، فأسقطته بغير قصد، وتلوّثت أوراق التقرير الذي أعدّه زميلها قُصَيّ. اتّجهت نحوه على استحياء، وطلبت منه أن يعيد طباعة التّقرير، سألها: هل من خللٍ فيه؟ أجابته: كلا، بالخطأ. شرحت الموقف باستعجال معتذرةً منه، بابتسامةٍ أيضًا، فانهال عليها بالتأفّف والتّقصير؛ كان يراها بنظّارة المنافسة لعطائه.
هكذا تكرّرت هفواتها في العمل، وارتكبت بعض الأخطاء التي كانت تستدعي إعادة العمل من جديد، في المقابل، كان رئيس العمل ما يزال يذكّرها بأنّها الأكثر عطاءً، وما يزال يمتدح ما يخرج من أعمالها، وينعته بالجودة والانضباط والإبداع. أصبحت لا تعرف: أيّ الصورتين هي الصّحيحة عن نفسها: الفتاة الشّابة المُثابرة، أم ذات الأخطاء التي لا تُغتَفَر. وحدث أن انهارت مرّةً أيضًا أمام غيداء في السّيارة، في ذلك اليوم، كانتا قد اتفقتا على الخروج معًا على عشاءٍ لذيذٍ، بمناسبة نزول أجر العمل، كانتا تضحكان معًا، وفجأةً، أخذت سديم تبكي.
(3)
"أشمّ رائحة دخان، ألا تشمّين؟". سألت سديم غيداء في العمل، بوجهٍ مستفسِر وبصوتٍ منخفض. فأجابت الأخرى، بعد أن استنشقت شيئًا من الهواء: كلا، أنا لا أشمّ شيئًا، ربّما قُصَيّ الذي دخل قبل قليل انتهى من سيجارته. خفضت صوتها أكثر، قالت: "قصيّ؟ ربّما. اسمعي.. سأخبركِ شيئًا، لقد استاء منّي مؤخّرًا، وأيضًا تعرّض لي في الاجتماع. كان يلمزني بذكر أنّ هناك من صمّم قالبًا جديدًا للتقارير، ولكنّه غير مُجدٍ ويحتاج لمزيدٍ من التّطوير؛ كونه لا يغطّي جانب الالتزامات الاقتصاديّة المكفولة من الطرف الثالث، ولا يوجد فيه خانة لبند التقييمات على مدى العام، بل فقط التقييم النهائي. لقد كانت مبادرةً منّي أنا، وكنت قد أخبرت المدير قبلًا بشأن فكرة تصميم قسم التكنولوجيا لبرنامجٍ يتيح لنا التقييم بشكلٍ مستمرّ، لا التقييمات الأربعة فقط خلال العام.. على كُلٍّ، كانت النهاية أن نُسِفَت مبادرتي بأكملها".
استوعبت غيداء الموضوع، وفهمت ما يجري في الشّركة. وأيضًا، سرحت ترمق صديقتها بنظراتٍ فاحصة وتفكّر بمراجعةٍ دقيقة، هناكَ شيءٌ من الشّحوب بدا متجلّيًا في قسمات وجهها، وعلامات انطفاءٍ في عينيها، لديها عدّة أظفرٍ متآكلة، وأخرى غير مقلّمة، أكتافها مشدودةٌ غالبًا، وما إن يلمسها أحدٌ أو يضع كفه عليها، تبعده سريعًا، مكتبها ازداد بعثرة، تضيع منه الأوراق التي كانت تحرص على تصنيفها أولًا بأوّل، أصبحت تأتي للعمل قبل موعده بدقيقتين، وتخرج أوّل واحدة منه، لا تقبل بأيّ عملٍ إضافيّ، لكنها فجأةً تظهر بعملٍ لم يُطلَب منها.
في اليوم التّالي، شمّت سديم رائحة الدّخان نفسه، بينما كان رئيس القسم يطرح لها ملاحظة أنّه لا بدّ من أن تقابل الضّيوف في الاجتماع القادم ببشاشة، لقد لوحظ ذلك في الاجتماع السّابق، وأسيء الظنّ بها وبالشّركة. قالت له: حاضر. وبعد هذا الموقف، انتشرت شائعةٌ تنعتها بالنّكد، وأخرى عن أنّها قناعٌ يغطي ضعفه، ممّا أتاح لقصيّ أن يظهر شمسه على حساب الاستنقاص منها. وعلى كُلٍّ، فإنّ الرّائحة نفسها كانت تشمّها في المنزل، قبل النّوم عندما يستلمها شبح الذّكريات، وكلّما التهمت الأفكار دماغها، قضمت هي من أظفارها، وتزداد الرّائحة أكثر حينما تتصل بها خالتها لمياء، تسأل إن كانت بحاجةٍ إلى شيء، أو عندما يأتي خالها بالرِّطب أو غيره من الفاكهة إلى المنزل، ثمّ يغادر.
في المساء، بعد يومٍ مرهق، اتّجهت سديم لمطبخ المنزل، تُعدّ لها شيئًا من الشّعيريّة الجاهزة السّريعة، وهذا ما اعتادت عليه مؤخّرًا، أيّ شيءٍ سريعٍ يفي بالغرض ويسدّ الجوع ويكون موجودًا في المنزل. سكبت الماء في الطّنجرة، ووضعت البهارات المخصّصة، وراقبته وهو يغلي، تلامس طرف الإناء الحار وجلد مِرْفَقِها سهوًا بينما كانت تحرّكه بالملعقة، فأبعدت كفّها سريعًا. وأمام الفرن، كان مكعّب الثلج يذوب على المِرفَق، بينما دارت في خيالها عبارة "أنتِ السّبب"، فشمّت رائحة دخان خفيف، شيء ما يحترق، ولم تدرك أنّ أسلاك الثّلاجة التي تقبع وراءها قد احترقت بالفعل.
أطفأت نار الموقد، ثمّ سكبت الشعيرية في إناء. خرجت إلى الصّالة، تناولته وهي ما تزال تشمّ الرّائحة نفسها، وهي تعتقد أنّ ذلك محض خيالٍ كالعادة، وخلال عودتها إلى المطبخ لإعادة الإناء رأت انتشار الدّخان، فاستوعبت قليلًا ما يجري. ردّدت: "أنتِ من ستًلامين مجدّدًا". تبلّدت أمام مشهد غمامة الدّخان، أغلقت باب المطبخ، وأخذت هاتفها لتتصل بخالها، تخبره بنبرةٍ هادئةٍ تمامًا: أنّ مطبخها يحترق.
بعد أن أُطفِئَ الحريق، وعاد السّكون لمشهد المنزل الذي لم يتضرّر باستثناء المطبخ، ألقى الخال طه سياطه في وجه سديم، وبطريقةٍ ما، أصيبت هذه المرّة بشللٍ ولامبالاة، وَصَمَمٍ عن سماع درس المسؤوليّة، ووجوب الإسراع في الإخبار عند أوّل علامة خطر، والتصرّف بحكمة، والاتّصال بالطّوارئ وقت الضّرورة. بالمقابل، سديم كانت تنظر إليه ببلاهة، وتفكّر فقط: "ما به يصرخ؟! إنّه مجرّد حريق وقد انطفأ، ما المشكلة في أنّ التّيار الكهربائيّ قرّر افتعال مزحةٍ زائدةٍ عن الحدّ مع الثّلاجة؟".
(4)
حاصرت سديم فكرة أن تقدّم استقالتها كما حاصرتها رائحة الدّخان باستمرار. أصيبت بسُعالٍ مزمنٍ، ذكر لها الطّبيب بأنّه إثر ما استنشقته يوم حادثة الحريق، ولكنّه قال بأنّ ذلك سيختفي بعد حوالي أسبوعين وحسب. مضى الأسبوعان، وزاد عليهما الثالث، ولم يتغيّر شيء، فأعادت النّظر مجدّدًا بشأن حالتها المُرهَقَة، إذ إنها في كلّ صباح كانت تختنق بدخانٍ غير مرئيّ، وتجتاحها نوبةٌ من الكحّة. ووسط الحصار، تردّدت قليلًا، إلى أن اختارت في النهاية أن تأخذ شهرًا على الأقل إجازةً. وافق المدير، ومنحها شهرًا ونصف.
في أوّل يوم إجازة، اختارت سديم أن تفتح غرفة والدتها التي لم تدخلها مسبقًا، لقد مضى بينها وبين وفاة أمّها حوالي ثمانيَ أشهرٍ توشك أن تقترب من تاسعها. وأوّل ما اتّجهت نحوه في الغرفة، المنضدة والمرآة، تلامست أناملها وأطراف الغبار، ولمحت زجاجة المسك الصّغيرة ذات اللّون الزّهريّ التي انتهى ثلثاها، كانت هِيَ من أهدتها إليها. تنشّقت الرّائحة العطرة، واطّلعت لمدّة ثوانٍ انعكاسها في المرآة أمامها متخيّلةً طيف والدتها سيظهر من خلفها، وحملَ أريجُ الذّكرى شيئًا قليلًا من المسرّة والحنان الدّافئ في قلبها.
في خزانة الملابس، تأملت سديم الثّياب المعلّقة المختلفة الألوان، كانت تفكّر إن كان من المستحسن أن تتبرّع بها، أو تتركها للذّكرى، لم تقرّر رأيها بهذا الشأن، رأت نفسها متعلّقةً بتلابيب الثّياب، لا ترغب في هجرها إلى الآن. كما لمحت صندوقًا متفرّدًا في نهاية أحد الرّفوف، أثار فضولها لتفتحه، فإذا به يحتوي جرابًا بداخله حذاء أبيض ذي كعب، وبداخل الصّندوق أيضًا صورةٌ عتيقة لوالدتها مع والدها يوم حفل الزّفاف، وهي ترتدي الحذاء نفسه، مع ذلك التّناغم، ولم يكن أحدهما في الصّورة ينظر إلى الكاميرا، بل في عينيّ بعضهما. اعتقدت سديم لوهلةٍ أنّها لم ترَ والدتها بمثل هذه السّعادة على الإطلاق!
سرت انتعاشةٌ خفيفة جدًّا في نفسها، بالكاد تكون ملحوظة، أدخلت محتويات الصّندوق، وأغلقت باب الخزانة، مشت نحو النّافذة، وامتدّت يدها لفتح السّتارة بمقدار نصفها، وحيث موطئ قدمها عثرت على قرطٍ لؤلؤيٍّ، كانت قد أضاعته والدتها قبل أسبوعين من وفاتها، شعرت هنالك بالغبطة، بالحزن السّعيد، باستئناس المهاجرين كرهًا. ثمّ أدخلت القرط في علبته المركونة في داخل الدّرج حيث تنام مجوهرات والدتها. لمحت هناك مظروفًا قديمًا بعض الشّيء، مزركشًا بزهرات الخزامى، التي كثيرًا ما كانت والدتها تبتاعها كزينةٍ، وتعتني بها دومًا، فتحت المظروف، ورأت خطّ والدتها، كان خطابًا ابتدعته أمّها إلى والدها، بعد ولادتها بأشهر، ووقتها كان ميّتًا. وجدت سطرًا يقول: "...سأعيش يا سرَّ حياتي، يا بهجة أيّامي، يا روحي، كما أردت، وأربّي ابنتنا كما تحبّ، على ذكرياتٍ كانت رؤانا، وعلى اشتياقٍ في الضّمير حيًّا، دُمتَ في خَلَدي عزيزًا..."
أعادت الورقة إلى مكانها، وأغلقت المظروف. بدأت تنظر إلى الغرفة من جميع الجهات. ما تزال سجّادة صلاة أمّها على الأرض، كانت أمّها توصيها دائمًا بأن تضعها ممدودةً بلا طيّ، وتخبرها بأنّ الملائكة ستصلّي عليها. ألقت سديم بنفسها السّجادة، على جانبها الأيمن، وجعلت ذراعها وسادة. آخر فكرةٍ خطرت لها هي أن تشتري شتلةً من الخزامى غدًا، تضعها على قبر أمّها وتسقيها. انسلّ شعاعٌ من الشّمس على خصلات شعرها، وغطّت هنالك لساعات.