الاثنين، 24 أغسطس 2026

اللا-شيء



إذا كان الفراغ هو اللاشيء، فلماذا يبدو دائمًا ممتلئًا بالأشياء؟ هذا ما خطر إليه، وقد خطرت إليه أمور أخرى تتقافز وتسرح وتمرح مثلما يفعل البهلوانيون في عروض السيرك، على الرّغم من أنه من المفترض أن يغسل شعره المتروك منذ ثلاثة أيّام، ويزيته، ويسرّحه، ويخرج للعالم الخارجي الذي يبدو أكثر هدوءًا مقارنةً بالفراغ، ولكنّه يؤجّل ذلك.


يبقى متمدّدًا على ظهره على الأرضيّة الإسمنتيّة الخشنة، يفكّر وبصره يتلاحق إحدى أذرع المروحة. قالوا إليه إنّ ذلك يحسّن من مدى التّركيز، لأنّ حدقة العين ستختار ما تلتف حوله، تدور حيثما تكون الدّائرة واحدةً، بدلًا من أن تطالع الجدار يمينًا ويسارًا وفي كلّ اتجاه دون أن تكون هناك صورةٌ، ولو لوردةٍ واحدةٍ معلّقة بمسمارٍ كئيبٍ يختبئ خلفها، ثمّ يضطر أن يجلس بمقابل الجدار في تأمّلٍ كفتاةٍ وفتى في موعدهما الأوّل اللانهائيّ، بعد بضع سنواتٍ من عدم الانتباه لوجود أحدهما في حياة الآخر. 


الجدران لها آذان، هكذا علّموه، لكنّ جدار غرفته رماديّ، فيظنّ أنّه أصمًّ، وعلى الأقلّ فالمروحة ذات صوت، يوحي بانتعاشة النًسائم التي تداعب خصل شعره، يتدغدغ منها ويبتسم لفكرةٍ أخرى عبرته حينها: ماذا سأهدي زوجتي في عيد ميلادها القادم؟ ويضحك؛ لأن لا زوجة له بالأصل، ويضحك من خيالاته التي تشتدّ فقاعاتها الورديّة اعتلاءً وبهرجة، كالخدود المحمرّة التي لا يمسّها. قال لنفسه: لا بدّ أن أختار ذراعًا أخرى، هذه الذّراع توحي بالرّومانسيّة الفارغة، فيلاحظ أنّه استخدم مرّةً أخرى كلمة الفراغ، فإن كانت هي فارغة، فإنّها لا بدّ مليئة، مليئة ربّما بالأحلام. 


ما الأحلام؟ ويحاول أن يضيف إليه ضميره: ما أحلامي؟ لكن لا تلسعه أية وخزة في صدره؛ إذ إنّ ضميره المتكلّم غافٍ على سريرٍ آخر، يضاجع امرأةً ما التقى بها في منتصف الطّريق، بينما يعيش هنا على خشونة. قام بتغيير سرعة المروحة إلى أقصاها، ثم عاد مستلقيًّا، يحتاج للتركيز أكثر للبحث عن أحلامه لا عن ضميره، يختار هذه المرّة ذراع المروحة الأكثر تلاشيًا في الفراغ، فيأتيه الجواب: لقد ذهبت أحلامه حيث تجهل مكان تواجده، في فراغ كائن آخر ينام ملء جفنيه، متعبًا من وخزات صدره طوال النهار.


يقول لنفسه: أنا لست لاعب الخفة، فالكرات ذات وزن، ولكن إذا لم أرفعها تسقط على رأسي، الذي لم أغسله بعد، فتهشّمه. ما العمل؟ هل أخفضها؟ هل أرميها في وجه آخرٍ فتكسر له أنفه؟ هل أصبغها بالفيرميل وأبعثها إلى جاري فيُصعقَ من الدّهشة ويصرخ: من أين أتيت بهذا الذّهب الخالص يا رجل؟! وسوف يقول له: أهدني فقط قطعة لحمٍ من جسدك، أنا أريد أن أحيا.


كانت لديه فكرةٌ ما خلال ساعات فراغه الماضية، تفترض أن خلايا جسده منحها إياها والديه، أصدقائه، زملائه، جيرانه، وكلّ معارفه، بحيث أنّ تكوينه لم يكن باختياره تمامًا، وقد ارتدى فوقها ملابس يستر بها تلك الخلايا التي تركت شكلًا ما لجسده وأعضائه، هو لا يستطيع أن يقطع رجله أو ذراعه، ولا أن يمزّق أمعاءه المليئة بالدم والأحشاء والبكتيريا النافعة والضّارة وبقايا الطّعام غير المهضوم، ولا أن يخرج قلبه من صدره، فينغزه بدبّوس أمّه الذي تستخدمه للحياكة.


بدأت عيناه تزداد اضطرابًا، وكذلك أفكاره المتشتتة، فالسرعة عالية، وهذا لا يناسبه. لقد شعر بأنه مثل عطارد عندما يدور حول الشّمس، في عامٍ يبلغ ثمانية وثمانين يومًا، بينما هو مجرّد مخلوقٍ أرضيّ. غيّر السرعة للأبطأ، وعاد لموقعه، مسح على وجهه، وأخذ أنفاسًا عميقة من بطنه، كما يقول المتحذلقون حينما  يتحدّثون عن التنفّس الصحيح، أو الصحيّ.


أخذ يدندن لدقائق. هذه المرة الدائرة التي رسمتها المروحة أبطأ، إنّها تنوّمه مغناطيسيًّا، لكن هذا ليس وقت التفوّه بالاعترافات، بل وقت فتاة الباليه التي تتراقص على نغماته،  وتزيد من حماقته، كونه يتلاحق ذراع المروحة الأخير، غارقًا في خيالاته وأشباحه، هذه المرة تمكّن من التقاط الذراع بعينيه، فوصلت الكهرباء إلى أمّ رأسه، فتحفّز ليقوم لغسل رأسه بالشامبو الذي تخيّل فتاة الباليه الصغيرة تقدّمه إليه، وتنعت رائحته. 


أسرع مطفئًا المروحة، فأخطأ الزر، أضيئت الأبجورة، واستوعب مقدار امتلائه بمقدار فراغه، وسقطت علبة الشامبو من يده،  استدرك الزرّ الصحيح، ولمعت بذهنه حينها الفكرة: لماذا لا تمتلئ المروحة أيضًا، بأذرعٍ أكثر تغطّي الفراغات؟ ولو كنت سأملؤها بشيء، فماذا سيكون؟ هل تنفع فراشات معدتي؟  أو نجوم مقلتيّ؟ 


حمل كرسيًّا، ليرتفع عليه لكي يحرّر الفراشات ويعلّق النّجمات بحبلٍ متدلٍّ في الفراغ، تاركًا خلايا شعره لتكون شاهدة.




٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق