السبت، 4 مايو 2024

جذور.


 كائنٌ يكره القلق.

أو على الأقل: لا يحبّه. 


ذات يومٍ كنتُ أتحدّث مع صديقةٍ لي، وهي قريبةٌ منّي جدًّا، لا أذكر تحديدًا ما كان سياق الموضوع، لكنّي أتذكّر جيّدًا أنّني كنت للتوّ قد أدخلت السيّارة في المرآب، وقبل أن نترجّل، قالت لي: "أنتِ غريبة، وقويّة في الوقتِ نفسه، أنتِ لا تبالين بالاهتمام". 

استفهمتُ مقولتها، شرحت لي أنّ اهتمام الآخرين بي هو نفسه غير مهمّ بالنسبة لديّ، إن وقع أو لا، فلا فرق، حصلت عليه أو لا، فالأمر سيّان.

هكذا كنت، أو بصيغةٍ أخرى: تدرّبت نفسي على ألّا تكون شخصًا يتلاحق خلف اهتمام الآخرين به، أو أن تكون الأفقر من ذلك: أن يتوسّل منهم تعاطفًا عابرًا، بكلمةٍ لطيفةٍ أو فعلٍ حسن، وكذلك كنت أعتقد أنّ أولئك الذين يقدّمون اهتمامهم على طبقٍ جاهز، إنّما ينتظرون ملئي لهذا الطّبق، تناولت ما فيه أو لا، يجب عدم إعادة الطبق فارغًا! 


بالنسبة إليّ، ما لم تفهمه صديقتي هو أنّ لفظة الاهتمام بحدّ ذاتها لصيقةٌ بلفظة القلق في قاموسي الذهنيّ، وفي منطقي الخاصّ المزروع في عقلي:


- الاهتمام يعني القلق، القلق ليس مريحًا لأحد.

- الاهتمام مثير للريبة، تشمّ فيه رائحة القلق.

- الاهتمام ليس حبًّا، بل مصدر إزعاجٍ وقلقٍ لا أكثر.

- الاهتمام مصدر أساسيّ للقلق، وأنا كائنٌ يكره القلق.

- من جرّب القلق يعرف شعوره المُنْهِك، لذا فلنبتعد عن الاهتمام.

- لا أحبّ أن يقلق عَلَيَّ أحد، ولا أن يهتمّ طالما أنّي سأكون بخير.


على كلّ حال... العبارة الأخيرة أصلها مُتَجَذِّرٌ منذ زمنٍ في داخلي، عائدةٌ إلى سنٍّ صغير، فأوّل ذكرياتي مع الاهتمام، أو مع القلق، كانت في طفولتي، فقد سقطت على رأسي، وأنا في حدود السّابعة من العمر، وربّما أصغر من ذلك أو أكبر بسنة. 

كنا نلعب نحن الأطفال الصّغار في غرفة خالي، وكان فيها مكتبةٌ كبيرةٌ لطالما تمّ تحذيرنا بل توبيخنا عن الصعود والقفز عليها، وعندما سقطت على رأسي، كان السبب محاولة ابن خالتي الأكبر منّي بعامٍ واحد أن يشقلبني بحركةٍ ما، فبكيت بطبيعة الحال؛ لأنني طفلة.

تمّ أخذي إلى المشفى سريعًا، وهناك أقاويل عديدة سمعتها من عائلتي لهذه الحادثة، كلٌّ بحسب روايته مثلًا:


- أصيبت والدتكِ بالهلع والبكاء! 

- وقعتِ مغمًى عليكِ وخفنا!

- أسرع خالان بأخذكِ إلى الطّوارئ سريعًا في فزع! 

- أصبنا بالحيرة فقد كانت بطاقتكِ الشّخصيّة لدى والدكِ ويجب القيام بإجراءات المستشفى!

- كنّا نفكّر بشأنكِ فقد قضيتِ وقتًا حتّى المساء في المستشفى وتمّ عمل أشعّةٍ عاجلةٍ لرأسكِ!


لكنّ العبارة الأكثر تردّدًا في ذهني هي أوّل عبارةٍ سمعتها بعد خروجي من المستشفى:  كنّا نظنّ أنّكِ سقطتِ من المكتبة، كلّ هذه (الواقعة) التي حدثت أقلقتِ الجميع وأفزعتِ أمّكِ، ولم يصبكِ شيءٌ بالنّهاية.

أنا لا أتذكّر من قال العبارة، أبدًا.

بعد أكثر من عشرين سنة، فكّرت فجأةً ذات مرّةٍ: هل كان يُنتَظَرُ من رأسي أن ينزف أو يتمزّق، حتّى أكون جديرةً بذلك الاهتمام؟ أو القلق؟ 

لا أتذكّر قائل العبارة، إطلاقًا، لكنّي - بذهنٍ طفوليٍّ للغاية - فهمت من بعدها، أنّ أيّ شيءٍ يصيبني، فإنّه ليس على أحدٍ أن يقلق بشأني..

 - ألّا يهتمّ...

- لأنّي سأكون بخيرٍ في النهاية. 

- كلّ ذلك القلق سيكون بلا معنى.

- لن يصيبني أيّ شيء.

- أنا على ثقةٍ من هذا. 

- أنا قويّةٌ بما يكفي، كما قالت صديقتي فاطِمَة.

- لا تعرقل مساري، حتّى لو رأيت أثر نزفي في الطريق. 


أحيانًا، أشعر بالانزعاج عندما يبدي أحدٌ اهتمامه المبالغ، أو يخبرني بأنه كان قلقًا، أشعر بثقل المسؤولية، بأنّني كنت السبب، على الرّغم من الآخرين لا يفكّرون بذلك إطلاقًا، على العكس، يجدون ذلك شيئًا لا بدّ أن يفعلوه. يقولون: 

- هل تترقّبين منّا ألّا نبالي؟

يبدون شيئًا من الغضب والاستهجان عندما أخبرهم أنّ الأمر (عاديّ) وعندما أطلب منهم عدم الاهتمام بلا مبالاةٍ لما يشعرون به.

- هل هذا جزاؤنا لأنّنا نهتم؟ 

لا يعجبهم إخباري لهم بأنه لم يكن عليهم أن يقلقوا بشأني.



مع الوقت المتأخّر، استوعبت أنّ لا بدّ أن أتقبّل مشاعرهم كيفما كان شكلها؛ لأنّها تعني لهم معاني عديدة، وليس القلق والانزعاج من بينها. 

إذن لا بأس... هناك شجرةٌ جديدةٌ تملك جذرها أيضًا، وإن كانت صغيرة،

لكنّها هذه المرّة، اختارت مكانًا آخر لتنبت فيه... 

اختارت قلبي. 


الأربعاء، 1 مايو 2024

نهاية مفتوحة


يعيد ماجد ترتيب طاولة المكتب في شقّته، وقد بلغ في ذلك المرّة الرّابعة لهذا اليوم، وخلال المرّات الأربع قد يفعل هذا وذاك، مثلًا: يزيح حامل كوب القهوة المزركش، يضع الكتب المبعثرة فوق بعضها، يصنّف الأوراق المتراكمة في الملفات كما كانت، يحرّك حاسوبه المحمول بضعة سانتيمترات، يُغلِقُ بوابة الطّابعة الإلكترونيّة، يفتح النّافذة ويلقي بفتات الفطائر على الطّبق الورقي الخاصّ بالحمائم أسفل الجدار، يمسح اللاشيء من أعلى الطاولة لأنه يعتقد أنها مُغبرة، يرشّ معطّرًا لتلطيف الجوّ برائحة النّسيم، وهكذا.


ماجد منظّمٌ غالبًا، وهو ذكيّ غالبًا، وبالمقابل: منعزلٌ كثيرًا.


 يجيد ماجد الرّسم والخطّ العربيّ، تراه يمزج بين الأحرف والسّطور، ويلوّن بالألوان السّاحرة المتمازجة بشكلٍ متناسق، لديه تلك اليد البارعة المتفنِّنة، يمسك الفراشي كما لو كان يعزف على الورق، أو يحرّكها كما تحرّك رياح الصيف الماءَ منسابًا بنسماتٍ رقيقة، كانت لوحاته  تعكس الأناقة بداخله، والجمال الذي في قلبه، كان لا يفضِّل بيعها، ولا المشاركة في عرضها للعلن في المعارض أو ما شابه.


أكثر ما يستهويه هو القراءة.. يملأ عقله يوميًّا بالصّفحات، يغرق فيها، يندهش من المعلومات التي تختزنها، يسافر في أرجائها، ينتقدها، يتخيّل كتّابها يجلسون معه في جلسةٍ فكريّة ناضجة، يسمع أصواتهم في عقله، ويعيش أجواءها، يتقمّص أدوارها أحيانًا، ينوّع بين زيارة المعارف أو طرق باب الأدب، وكلّما انتهى من كتابٍ اشترى بدلًا منه آخر، وهكذا…


 كانت هذه حياته الوحيدة، الأصيلة، بالنّسبة إليه، بالرّغم من وجود حياةٍ أخرى تنتظره بخارج غرفته.


كلّما تضايق ماجد يجد نفسًا مخيّرًا بين أمرين: أن يرسم، أو أن يقرأ. فإذا أراد سكب أفكاره أمسك الألوان وحوّلها فكرةً فنيّة، وإذا شعر بجفاف ذهنه وخوائه وتبلّده، استعان بالكتب واستزاد منها ما يشاء.


أما عن الحياة الأخرى الواقعيّة، فلا.


لم يستعمل ماجد الترتيب خيارًا ثالثًا، لكنّه هذه المرّة، مشوَّش، سيستقبل شخصًا جديدًا في هذا المكان، وهذا الشّخص ليس كأيّ شخص. بل هو امرأة.


اكتشفت نجوى موهبة ماجد بالمصادفة، في أثناء صمته سارحًا في مقرّ العمل، أي في شركةٍ يعملان فيها فيما يخصّ تدقيق بعض الحسابات وما شاكل ذلك، كانت تناديه ثلاث مرّاتٍ ولم يجبها، هي المتدرّبة الجديدة التي عليه أن يراجع دقّة عملها ويقيّمها، وكان مستاءً من ضغط العمل على كلّ حال، ينتظر يوميًّا أن تدقّ السّاعة الثالثة كي يفرّ إلى مأواه: غرفة الرّسم والقراءة.


بعد النّداءات الثلاثة كانت متحيّرة، اقتربت قليلًا فإذا بها تقبض عليه متلبِّسًا يخطّ عبارةً بالقلم الذي يحمله، على نصف ورقةٍ اقتطعها، وقد راق لها ذلك المشهد.


روح نجوى ليس صاخبةً على كلٍّ، تمتلك وحسب ابتسامةً جذّابة، وماجد لا يعلم كيف قَبِلَ بأن تشاهد أعماله الفنيّة في شقّته، وها هو الآن واقعٌ في التَشويش.


كيف قَبِلَ استضافة شخصٍ إلى عالمه الخاصّ؟ أراد أن يتّصل ملغيًا الموعد، لكنّه ما بين تردّدٍ وتردّدٍ آخر…انتهى به الحال  يسمع صوت الجرس.

إشارتان، وتدخُّلٌ سريع!


وضعت كوب الشّاي الزّجاجيّ الصّغير على صحنه الدّائري، وقلت: أعتقد أنّني قد أخذت صورةً عامّةً من خلال أسئلتي. هل لديك سؤالٌ آخر؟

أجاب الرّجل بأريحيّة: حسنًا، وأعتقد أنّ لديّ الأمر نفسه من جهتي، إلا أنّني أرغب في طرح سؤالٍ أخير: ما أهدافكِ على مدى عشر سنوات؟

عشر سنوات؟ ألا يُفترض أن تكون أهدافي هي نفسها الأهداف التي يرجو أن يحقّقها الجميع؟ يؤطّرونها بعبارة "تحقيق النجاح" في هذا وذاك و…

في الحقيقة لديّ أحلام أسعى لجعلها واقعًا، أكثر من كونها أهدافًا أسعى لتحقيقها، وهنا مكمن الخلل في حياتي، أنّني لا أعرف حقّ المعرفة ما أريده، لفظ الأحلام أقلّ خطورةً في وقعه، فإذا لم يتحوّل الحلم إلى حقيقة، فإنّه يبقى مجرّد حلم، لكنّ الهدف إذا لم يُصاب فإنّه عبارةٌ عن فشل.


قبل عشر سنواتٍ من الآن، بينما كنت في العشرين من عمري، كان لديّ حلمٌ أو هدفٌ، أيّهما أقرب. كنت أخبر نفسي: "الحياة قصيرة. أن أكمل دراستي، وأقرأ كتبا كثيرة،  وأجد بعض الأصدقاء، وأن يكون لي طفل مهذب أحب أباه. هذا فقط ما كان يجعلها تتمدد بالنسبة إلي."


أجبت الرّجل بغموض: هدفي الوحيد أن أجعل الحياة تتمدّد.

ابتسم بلياقة، كأنّه فَهِم، لم يعلّق.

فكّرت قبل أن أغادر الغرفة: إنّه لا يثير إزعاجي، ليس شخصًا فظًّا، تتناسق أفكارنا خلال ما أظهره قبل قليل، إجاباته كلّها واضحة ومتّزنة، تعكس شخصًا جديرًا بالاهتمام، ومن الممكن أن يكون شريكًا جيدًا، سيحفظني غالبًا. 


ساعةٌ واحدةٌ مع شخصٍ جيّد، ليست بالضرورة كافيةً لمنحه رخصة البقاء مدى الحياة..

ومع ذلك، أعتقد أنّي سأوافق هذه المرّة. بالفعل سأوافق! 

فكّرت في ذلك وأنا أستئذن الخروج، وقفت وخطوت بعض خطوات، نظرت بغيرٍ قصدٍ نحو حذائي، اللعنة! إنّه حذاءٌ جديد، لقد سقطت  الزّهرة التي تزين الفردة اليمنى. ربّما سقطت أسفل المقعد.


بينما أغلق الباب خلفي، عَلِقَ كمّ عباءتي المنسدل بالقبضة سهوًا، أحرّره بابتسامةٍ بلهاء، كي أغلقه بهدوء مرتبك، بينما أستمع إلى حديث بعض النّساء اللاتي أتين مع الرّجل، يخاطبن والدتي بلسانٍ عذوب، وقد أحصين الوقت الذي قضيناه، هي لم تكن ساعةً بتوقيتهن، بل ساعتان إلا ربعًا.


أدير ظهري إلى باب الغرفة، المجلس الذي لم أدخله لخطبةٍ تقليديّةٍ منذ أربع سنواتٍ إلا ربعًا. تحاول النساء المعدودات القلّة أن تستشفن موافقتي من عدمها من خلال وجهي، نظرت إلي إحدى أخواته، وقبل أن أبادلها النّظرة، رأيت غمامةً أمام عينيّ.


شعرت بصداعٍ في رأسي، وقلبي خفق بشدّة، يتبعه دوار جعل قدمَيّ تترادفان في خطواتها نحو أقرب مقعد، آخر ما سمعته هو اسمي.


ذهبت في غيبوبة قصيرة واستيقظت، شخّصها الطّبيب فيما بعد بأنّه إجهادٌ عصبيّ، غالبًا سببه قلّة نومي، وعدم تناولي الكافي للطّعام، في مقابل ارتفاع نسبة الكافيين، وهو محقٌّ في كلّ ما ذكره، فمنذ أسبوع وشهيّتي مفقودة، وأستيقظ مرارًا وتكرارًا خلال النّوم، هذا إن نمت حقًّا! فضلًا عن إسرافي في تعويض ذلك بشرب القهوة والشّاي أكثر من اللازم، كما أنّ عملي يتطلّب استعمال الحاسوب بكثرة، وهو مرهقٌ للأعصاب. 


بعد خروجي، رددت بالرّفض على عائلة الرّجل.

إشارتان كانتا تحاولان إيقافي، وعندما لم يفد ذلك، تدخّلت روحي تدخُّلًا سريعًا بأن تعلنها وبشكلٍ حاد: لا! تعطّلت عن العمل فجأة، هذا لم يحدث مسبقًا طوال حياتي! أن أسقط…

ولقد كانت تحاول إيصال ذلك في أسبوعٍ كامل: هذا ليس ما نرغب فيه يا فتاة! ليس هذا طريقنا!

لكنّ الطريق الذي تحاول روحي دفعي باتّجاهه لا أشعر بأنّه يناسبني غالبًا! لطالما رأيته مسدودًا، لا يمكنني اقتحامه، يشعرني بالهول.


وما ترغب فيه.. هو شخصٌ تحبّه، يكون والد الطّفل المهذّب الذي تودّ إنجابه لاحقًا.


لكنّ شخصًا كهذا صار بمثابة الميت؛ كلاهما لا أمل فيه.

فلماذا اختارت روحي أن تتصنّع موتها هي الأخرى، ولو مؤقتًا؟ فقط لكي تقول: لا؟ لكي تعلن صوت حياتها لاحقًا؟


على كُلٍّ، ها قد استيقظت، وهذا هو المهمّ الآن.

الاثنين، 29 أبريل 2024

رَميم

 لا أعلم من أين أبدأ.

أفكاري مبعثرة، مشاعري رماديّة، كلّها تفيض، ولكنّي أدرك أنّ الكتابة هي الشيء الوحيد الذي بات يسعفني. 

أتخيّل أنّ يدًا تمتدّ لقلبي حاملةً مشرطًا، لا أعرف إنْ كان هذا معالجًا، أم مُشرّحًا. 

أتخيّل صوت حذائي وهو يدوس شيئًا، هو الزّجاج المتناثر المكسور الذي يتفتّت مع كلّ دهسةٍ عندما يخطو فوقه كعبي العالي. 

أتخيّل الباب لغرفتي، المغلق، سيُطرق الآن، بينما أجلس ملتمّةً على نفسي، أحدّق ما بين الجدار والنّافذة والباب، بوجهٍ خالٍ من أيّ تفاصيل تخبرك بأنّي بخير أو لست كذلك.


ليست لديّ رغبةٌ في مواصلة الحياة بهذه الطّريقة البليدة، المُجرَّدة.


غدوت كأشتاتٍ متفرّقةٍ ألملم نفسي لملمةً قطعةً قطعة، أفعل أيّ شيءٍ من أجل أن أعيد ترميمي مجدّدًا، الآن أدفع ثمن استسلامي غاليًا، وشعوري بالنّدم، وباليأس.


 وبالكثير من الأسى على نفسي.

ماذا سأفعل؟

مررت بأحداث عديدة، مررت بالقهر والغضب والبؤس والتّعاسة والتّوتّر والمزيد من القلق ما بين هذا وذاك.


لكن هذه المرّة.. هناك حمل ثقيل الوزن، لكنّي لا أحمله على كتفي ككلّ مرّة، بل عند صمام وريدي الأبهر. شيءٌ يجعلني أفضّل النوم لساعات، وأغلق هاتفي لساعات، وأطيل وقت عملي أو قراءتي للكتب لساعات.


وأيضًا.. أمارس الكتابة بكثرةْ لتخفيف العبء على نفسي. 


من المفترض ألّا تكون هذه الانتكاسة هي الأسوأ.

السبت، 20 أبريل 2024

الذّاكرة...



"فليذهب إلى الجحيم!".

ذات يومٍ بُحت بها وأنا أنظر في الاسم الذي ظهر أمامي عبر الشّاشة، وكيف أنّ لعبة الزّمن قد امتدّت لكي أرى كيف أنّ الشّخص نفسه يظهر فجأةً أمامي، ما بين فترةٍ وأخرى، على الرّغم من أنّي قد ضغطت على زرّ الصّامت الذي يمنع أن أشاهد أيّ صورةٍ أو كلامٍ يكتبه في هذا البرنامج، ليس لأني أكرهه، ولكنّي لا أحبّ مشاهدته حقًّا، ذلك يثير إزعاجي وحسب، لقد تغيّرت حياتي على كلِّ حال، وغدوت مهندسةً مذهلةً، يتفاءل بي القاصي والداني، وذات علاقاتٍ اجتماعيّةٍ رائعة، وشخصيّةٍ يفخرُ بها من حولها، كبلّورةٍ مصقولةٍ، أو لؤلؤةٍ مُزدانة، بخطواتٍ متقدّمة على طريق هذه الحياة.


يدعمني الآن رجلٌ آخر، بالنّسبة إليَّ كان الحبّ الهائل، الرُّخامَةُ التي أتَّكِئُ عليها،و السَّنَدُ الوحيد، شريك الحياة الذي لا ينتمي إلى سراديب الذّاكرة، بل يمتلك قصورها بأكملها، ليس بخارج قلبي بل مُطْبِقٌ عليه.
هذه المرة كانت الأسوأ، ليس لسببٍ يخصّني، إنّما هذه المرّة، شعرت بالاشمئزاز من كونهما قد التقيا على صفحةٍ واحدة، على وجه المصادفة، كيف؟ لا أعلم! هي لعبة الزّمن كما قُلت. الاسم الذي ظهر في الشّاشة كنتُ أعرف نوع خداعه، هذهِ المرّة كانَ صاحبي الأليف من تَرَكَ تعليقًا في صفحته، أعرف كيف يستميل القلوب ذاكَ الشَّخصُ الذي يُثيرُ استِهجاني لما فيه مصلحته، أخذت أضرب أخماسًا في أسداسٍ إن كان هذا التعليق عابرًا، أو أنّه شيءٌ يُذكَر. 


حتّى جاء اليوم الذي قال لي زوجي فيه إنّه يرغب في استضافة (فُلان) في المنزل، فعرفته من لقبه، ولأنّ زوجي رجلٌ طيّب، فإنّه لم يعرف معدنه بحسب الظّاهر، قال إنّه ينوي مساعدته في أن يحصل على عملٍ لديه، أجبته بـ: حسنًا. هذا في البداية، ورمقته بنظرةٍ فاحصةٍ إن كان سيخبرني شيئًا، تَرَقَّبتُ أيَّ ملامِحَ غريبة تشي بكشفهِ شيئًا من صفحتي المطويّة، لا شيء، ومن الأساس، أعتقدُ أنّه من المستحيل أنّ (فُلانًا) يتذكّرني أو يتذكّر اسمي، (نادِرَة)؛ لأنّه لا يتذكّر ضحاياه، ولم أكن الوحيدة وقتها. لكنّي أنا تذكّرت صورته التي شاهدتها في حسابه قبل وضعه على وضعيّة الصّمت، - فليخرس للأبد! - لم يغيّرها منذ زمن، إنّه يعيش العمر نفسه، بينما أنا تقدّمت في عمري، ولم تكن حياته جيّدة كما أرى الآن مقارنةً بحياتي المفعمة بالحياة والأنشطة المختلفة.


 لنقل إنّه لم يحالفه الحظّ وحسب، دخل السّجن لمدّة ليست بقصيرة، بقضيّة اختلاس أموال وتزوير تمّ تلبيسها به، فقد كان العنصر الأضعف والأكثر دونيّةً بالطّبع، ولهذا كان لا بُدَّ من شخصٍ يتجَشَّمُ عناء أن يكون كبش الفداء ووجه المدفع في تلك القضيّة، حتّى يفرّ الكبار دون الصّغار، ويُقبَضُ على الشّاةِ دونَ الثَّعْلَب. انطفأ بريقه، لم يحظ بفرص اكتساب خبراتٍ في الحياة، حُبِسَ في منتصفِ العشرينات من عمره، لم يكن سوى شابًّا متهوّرًا لا يُدرِكُ عواقِبَ اختياراته، وعندما عرفت أنّه قد حُبِسَ مأسورًا، كان قلبي وقتها مليئًا بالشَّفَقَةِ كونه مظلومًا بريئًا، لكنَّ هذهِ الشَّفقة لم تغلب على ذاكرتي.
   

ذاكرتي تحتوي العديد، ذاكرتي موبوءةٌ في جانبها المظلم، وأنا أُطفِئ الأنوار بداخلها كي لا أرى شيئًا، منطقة الحياة في الذاكرة عليها أن تُضيء وحدها، كذكرى التقائي بـ(سعيد) وكُلّ ضحكاتي الأولى معه، شجاراتنا الخفيفة حول أيّ نوعٍ من الطّعام سنأكل، وإلى أيّ دولةٍ سنسافر، اللحظات التي يسمح لي فيها فيها العرق عن جبينه، أو أن أختبئ خلفه خوفًا من حشرةٍ مقزّزة، وأشياء كهذه لامعة، برّاقة، كافية أن تشعل النّور في داخلي... أمّا (فُلان) فهو من أعتق منطقةٍ مُظلِمَة، والنّزول بي إلى هُناك يعني لي معانيَ كالخرابِ والسُّخف والعرقلة. غدوتُ أفكّر، ماذا لو شكَّل خطرًا على سيرورة حياتي المطمئنة؟ 


لم يمتلك (فلان) شيئًا يمكنه تحطيمي، بقدر الذكريات التي جمعتنا، الذكريات التي حرصت على جحدها، وقمتُ بدفنها، لم أتفوّه بها لأيّ أحدٍ لكي لا يقف قصبةً في بلعومي يومًا ما! أنا شديدة الحذر، لكنّ هذا لم يكن في مراهقتي المتهوّرة.



"يا نادرة، إنّه فقط يحتاج إلى وظيفةٍ، وأنا رئيس عمل، لديه بعض الظروف".
قالها الرّجل الذي أُحِبّ بلباقته المعتادة، عندما بدأ وجهي يمتقع تدريجيًّا، ونبّهته بأن يحذر، لا يمكنني أن أفعل شيئًا إزاء قلب (سعيد) الرؤوف. 

إن كنت أستطيع أن آتي بالجحيم في منزلي، فليكن، وليدخله. 

"فليذهب إلى الجحيم!" كرّرت بصوتٍ مزدوجٍ بعيدٍ عن أسماع زوجي الذي غادر الغرفة، والذي لا يدّخر جهدًا في توفير غطاء أمانه وحمايته دائمًا منذ أن تقابلنا.. ماذا قال؟ أن أجهّز المنزل؟! لرجلٍ لو عَلِمَ بأنّه سيستضيف رجلًا أساءَ إلى شريكة حياته ذات يوم، لا أعلم ماذا سيفعل. 


قرّرت ألا أجهّز شيئًا، أخبرت (سعيد) بأنّ لديّ مشروعًا جديدًا، قلت له: عليك أن تلتقيه في مقهًى أو مطعمٍ أو ما شابه، لكن ليس منزلي، ولا أعلم لماذا اختار هذا المكان. ولم يكن (فلانًا) يهتمّ كما توقّعت، لا يتذكّر. كان يريد عملًا بالفعل، إلا أنّ زوجي لم يستطع توظيفه في نهاية المطاف، المدير الذي فوقه أخبره بأنّه ليس لديه المعرفة الكافية بطبيعة العمل والتقنيات الإلكترونية الجديدة التي فاته تطويرها بسبب الفترة التي قضاها في سجنه، كما أنّه صاحبُ قضيّةٍ لم تكن سهلة، لكن، انتهى الأمر بأن يكون بستانيًّا لحديقة مبنى الشّركة.


ما أعرفه حتّى الآن، أنّ (فلانًا) لم يقل أيّ شيءٍ يوحي بمعرفته لـ(نادرة) عند (سعيد)، ولم يذكر (سعيد) أيّ شيءٍ بعدها يخصّ (فلانًا) لـ(نادرة)، وكانت الحياة طبيعيّةً تمامًا كما كانت، ولكنّني اليوم أقف منتظرةً على قدميّ، بينما يسير زوجي (سعيد) بابتسامةٍ ساطعةٍ خارجًا من عمله من جهةٍ نحوي، ومن الجهة الأخرى يتخطّى (فلانٌ) مُباغتًا بالقول برحابةٍ وضحكةٍ ساخرة: أهلًا (نادرة). 


الثلاثاء، 16 أبريل 2024

حكاية

منذُ زمنٍ وأنا أسمع الحكاية نفسها من والدي، تكرارًا في مرّاتٍ عدّة، هي الحكاية نفسها التي يرويها في كلِّ مرّةٍ تضيقُ به نفسه، أو يشعر بالسآمة من أن تعتدل أحوال الأمّة بمفردها من دون مُخلِّص، أو ينظر في الأخبار: هنا مزبلة تاريخٍ جديدةٍ متغطرسة، أو هناك دماءٌ وأنفس مقتولة، أو مسلوبة الحياة، أو يوجد دمارٌ وخراب، من دون أيّ صلاح، من دون أيّ نتيجة، وهنا توجد قلوبٌ متفرّقة، تشدّها البغضاء بدلًا من التّقوى.. وأخرى. 


عندما يشعر والدي بالضّجر، أو بالأسى، يُعبّر بالقصّة نفسها، وكأنّها تساوي لديه جدلًا خفيًّا مع ذاته، أو يتمنّى أن تكون النهاية أخرى، أو لربما كان يخفّف على نفسه بهذه الطريقة.


هو يقول: منذ زمنٍ وأنا على علمٍ بذلك، قبل أن تأتي على الدنيا، وأنا أعلم أنّه لن يعتدل شيء في هذه الدّيار، كلّها أزماتٌ ومشكلاتٌ، ولقد ازدادت الوتيرة الآن، في وقتنا الحالي. لقد حاولنا سابقًا بلا فائدةٍ أو نتيجة، وما نزالُ نحاول في زماننا الآن أن نكافح حتى يأتي أمر الله الذي نترقّبه.


 لكنّ الشيطان ما يزال يباغت بني آدم إلى أن يشتّتهم ويمنع بعضهم بعضًا الرّحمة، ويحاول أن يعبث في خطّة خلافة الأرض أو يعطّلها، بشغلٍ شاغل، يُدخلهم النّار التي خُلِقَ من شَبَهها، ويزيد استنقاصًا من التراب الذي خُلقنا منه، فيحوّله رمادًا.



يواصل والدي: لم يكن ارتباطي بوالدتكِ وقتها رغبتي الأولى، كنت أرغب بشدّةٍ في الهجرة إلى بلدٍ آخر، لأنّه... لا ينفع هذا المكان، كنت متوقّعًا أن تزداد الأحوال سوءًا، ويُعاد السيناريو مجدّدًا لكن بصورةٍ أفظع، لم نستطع وقتها أن نفعل شيئًا، أن نجتمع ونلتمّ على قلبٍ واحد. لا شيء أبدًا.  

كانت زيجةً نصحت بها عمّاتكِ لي، بنوعٍ من الإصرار في أن أتزوّج، وكانت خطوات ذلك الزمان سريعة، لم أكن أعرف عن والدتكِ شيئًا، وساعد في اختيارها أنّها كانت ضمن سلسلة رحمٍ قديمةٍ تنسب إلينا. كنت أشعر بالقدر الذي أُسلِّمُ نفسي له وسط الاختيار من نفسي، وأعان القضاء في أن يتحتّم، انخرطت مع هذه الأمور، وتتبّعت الخطوات واحدةً تلو الأخرى، تمّ العقد وكلّ شيء، وجدت نفسي أبتسم للكاميرا التي تلتقط لي صور الزّفاف مرّات.



على كُلٍّ… بعدها، لم يستطع والدي تحقيق رغبته، إطلاقًا...

 كما أنّ والدتي كانت تعمل معلّمةً، ولم تستطع أن تغادر معه، وازداد الأمر تحتّمًا ببقائه مع وجودنا. 

لم يهاجر، بل لم أجده مسافرًا حتّى طوال عمري، وهو يقول إنّه لا يحبّ السفر، ولكنّي أعتقد أنّه يخفي السّبب الحقيقيّ وراء ذلك.

على كلٍّ حال، ربّما يكون من باب الأولويّات التي لم يحتسب السّفر منها مع زيادة المسؤوليات ونقصان الفرص، وربّما أيضًا رأفته الشّديدة أحد الأسباب الوجيهة، على الأقل باعتقادي وحسن ظنّي، لم يكن والدي من النوع الذي يستطع أبدًا يومًا تركنا خلفه، أو تجاهل وجودنا وغضّ الطرف عنّا، فمثلًا عندما كنّا نرغب بالمبيت في منزل جدّتي، كنّا نتمارض لسببٍ غريب، كنت أنا أو إحدى أُختَيّ يصيبها الألم في معدتها وتفرّغها، ولهذا غدا والدي وقتها يماطل في ذلك أو يوافق على مضض. 

ولا حتّى في المنزل نفسه، كان يستصعب أن تبقى إحدانا بمفردها في المنزل أو أن تشعر بالوحشة، كان يرى نفسه الملاذ الآمن، إلى أن يأتي الوقت المناسب لانتهاء مرحلة الشرنقة، أعني الطفولة، فنخرج إلى العالم كفراشاتٍ محلّقة، وبكلّ قوّةٍ وعزيمة. كان هذا دائمًا ما يتمناه، وكان هذا دائمًا ما يحترق لأجله.



كنت إذا أنا وصلت إلى مرحلةِ الاستياء من نفسي أو من حياتي أو من العالم الفاسد الذي أعيش فيه، أتذكّر أيضًا بدوري هذه القصّة، وأضجر أكثر، لأنّه... ربّما لو أنّ والدي حقّق رغبته في الهجرة لم يكن لي وجود، ولا أن أتذمَّر من البيئة نفسها، ولا أن أشعر بمشاعر الاستياء التي شعر بها وأورثني نصيبي منها.

ولم يكن لهذا النصّ أن يُكتَب أيضًا.

تجنّبًا لتكرار القصّة نفسها لأبنائي أو أن يرثوا بدورهم هذه المشاعر، أو أن آتي بهم في خضمّ كلّ هذه الأشياء، فقررت ألا آتي بهم إطلاقًا.

وأيضًا، لم أعرف كيف أتأقلم مع شخصٍ يحمل الأفكار نفسها، الرّغبة نفسها، حلم والدي نفسه، في الوقت الذي أعمل فيه بالوظيفة ذاتها التي كانت تعمل أمي فيها، التفكير باحتماليّة تكرار القصّة أو نمطها، بحدّ ذاته، يمثّل جعجعةً لقلبي، يشعرني بالقلق، على الرّغم من أنّ هناك نصائح كثيرة ممتدّة، يخبرني بها عددٌ من الأشخاص، من بينهم والدي أيضًا، بل حتّى  الكتب التي أقرؤها تخبرني بالنصائح نفسها بصورةٍ مريبة.


 النصائح التي تقول إن حياة الآخرين ليست بالضرورة تكرارًا لحياتنا، وعلينا أن نتعلّم وأن نجرّب، وألّا نخضع لمخاوفنا التي بعضها قد لا تكون مخاوفنا، لربّما نحن موجودون لكسر هذا النّمط، وعيش حياتنا بصورةٍ أكثر تقدّمًا. 


لكنّ الإنسان عدوّ ما يجهل.. هي حكمةٌ أخرى يكرّرها أبي على مسامعي.



وللقدر سلطته، لم أظنّ يومًا أنّ بإمكاني تغيير أيّ شيء، أيّ شيءٍ أبدًا، إن كان سيحدث، منذ البداية لم أختر وجودي بإرادةٍ عقليّةٍ واضحة.. 

ولهذا قرّرتُ حينما بدأت أستوعب الحياة أكثر، إن كان هناك شيءٌ يمكنني تغييره أولًا، فهو أفكاري اتّجاه كلّ هذا. ولقد كانت البذرة عندما قال والدي يومًا سائلًا:

- أتعلمين ما أعظم شيءٍ في الحياة؟

تركته يجيب، فقال: أن تتاح لك الفرصة في الحياة، أعظم شيء في الحياة هو الوجود، لو لم توجد لما كنت ستحظى بفرصة الوصول إلى المقام الذي يتحتّم أن تصل إليه.

مضت الأيام وبقيت هذه البذرة في عقلي، سقيتها مرارًا بشكر الله على نعمة وجودي، حتّى شعرت بالامتنان، وتذوّقت فيها حلاوة مقولة الشّاعر محمود درويش: "ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا".

كان سبيلي هو فكرة الوجود نفسه، ففي النهاية، لو لم يهمل والدي حلمه جانبًا، ربّما لم أكن لأوجد أنا.

وفكّرت حقًّا: لو لم أكن ابنة والدي، لكان هناك شخص آخر بالحكاية نفسها سيكون أبي أيضًا، وهكذا، سأصل في النهاية إلى هذا النصّ. حكاية وجودي مكتوبةٌ ضمن قصصٍ أخرى للخلائق منذ الأزل، وكلّها قصصٌ قصيرة جدًا لا تمثّل شيئًا يُذكَر بالنسبة للكتاب الأعظم عند الله عزّ وجل، وقد تشابكت مع قصّة والدي وآخرين. 




إذن كان لا بدّ أن أوجد، وأن أجد سببًا ما يدفعني للاستمرار دومًا...

فهلّا كنت جزءًا من بقايا قصّتي القادمة؟