كائنٌ يكره القلق.
أو على الأقل: لا يحبّه.
ذات يومٍ كنتُ أتحدّث مع صديقةٍ لي، وهي قريبةٌ منّي جدًّا، لا أذكر تحديدًا ما كان سياق الموضوع، لكنّي أتذكّر جيّدًا أنّني كنت للتوّ قد أدخلت السيّارة في المرآب، وقبل أن نترجّل، قالت لي: "أنتِ غريبة، وقويّة في الوقتِ نفسه، أنتِ لا تبالين بالاهتمام".
استفهمتُ مقولتها، شرحت لي أنّ اهتمام الآخرين بي هو نفسه غير مهمّ بالنسبة لديّ، إن وقع أو لا، فلا فرق، حصلت عليه أو لا، فالأمر سيّان.
هكذا كنت، أو بصيغةٍ أخرى: تدرّبت نفسي على ألّا تكون شخصًا يتلاحق خلف اهتمام الآخرين به، أو أن تكون الأفقر من ذلك: أن يتوسّل منهم تعاطفًا عابرًا، بكلمةٍ لطيفةٍ أو فعلٍ حسن، وكذلك كنت أعتقد أنّ أولئك الذين يقدّمون اهتمامهم على طبقٍ جاهز، إنّما ينتظرون ملئي لهذا الطّبق، تناولت ما فيه أو لا، يجب عدم إعادة الطبق فارغًا!
بالنسبة إليّ، ما لم تفهمه صديقتي هو أنّ لفظة الاهتمام بحدّ ذاتها لصيقةٌ بلفظة القلق في قاموسي الذهنيّ، وفي منطقي الخاصّ المزروع في عقلي:
- الاهتمام يعني القلق، القلق ليس مريحًا لأحد.
- الاهتمام مثير للريبة، تشمّ فيه رائحة القلق.
- الاهتمام ليس حبًّا، بل مصدر إزعاجٍ وقلقٍ لا أكثر.
- الاهتمام مصدر أساسيّ للقلق، وأنا كائنٌ يكره القلق.
- من جرّب القلق يعرف شعوره المُنْهِك، لذا فلنبتعد عن الاهتمام.
- لا أحبّ أن يقلق عَلَيَّ أحد، ولا أن يهتمّ طالما أنّي سأكون بخير.
على كلّ حال... العبارة الأخيرة أصلها مُتَجَذِّرٌ منذ زمنٍ في داخلي، عائدةٌ إلى سنٍّ صغير، فأوّل ذكرياتي مع الاهتمام، أو مع القلق، كانت في طفولتي، فقد سقطت على رأسي، وأنا في حدود السّابعة من العمر، وربّما أصغر من ذلك أو أكبر بسنة.
كنا نلعب نحن الأطفال الصّغار في غرفة خالي، وكان فيها مكتبةٌ كبيرةٌ لطالما تمّ تحذيرنا بل توبيخنا عن الصعود والقفز عليها، وعندما سقطت على رأسي، كان السبب محاولة ابن خالتي الأكبر منّي بعامٍ واحد أن يشقلبني بحركةٍ ما، فبكيت بطبيعة الحال؛ لأنني طفلة.
تمّ أخذي إلى المشفى سريعًا، وهناك أقاويل عديدة سمعتها من عائلتي لهذه الحادثة، كلٌّ بحسب روايته مثلًا:
- أصيبت والدتكِ بالهلع والبكاء!
- وقعتِ مغمًى عليكِ وخفنا!
- أسرع خالان بأخذكِ إلى الطّوارئ سريعًا في فزع!
- أصبنا بالحيرة فقد كانت بطاقتكِ الشّخصيّة لدى والدكِ ويجب القيام بإجراءات المستشفى!
- كنّا نفكّر بشأنكِ فقد قضيتِ وقتًا حتّى المساء في المستشفى وتمّ عمل أشعّةٍ عاجلةٍ لرأسكِ!
لكنّ العبارة الأكثر تردّدًا في ذهني هي أوّل عبارةٍ سمعتها بعد خروجي من المستشفى: كنّا نظنّ أنّكِ سقطتِ من المكتبة، كلّ هذه (الواقعة) التي حدثت أقلقتِ الجميع وأفزعتِ أمّكِ، ولم يصبكِ شيءٌ بالنّهاية.
أنا لا أتذكّر من قال العبارة، أبدًا.
بعد أكثر من عشرين سنة، فكّرت فجأةً ذات مرّةٍ: هل كان يُنتَظَرُ من رأسي أن ينزف أو يتمزّق، حتّى أكون جديرةً بذلك الاهتمام؟ أو القلق؟
لا أتذكّر قائل العبارة، إطلاقًا، لكنّي - بذهنٍ طفوليٍّ للغاية - فهمت من بعدها، أنّ أيّ شيءٍ يصيبني، فإنّه ليس على أحدٍ أن يقلق بشأني..
- ألّا يهتمّ...
- لأنّي سأكون بخيرٍ في النهاية.
- كلّ ذلك القلق سيكون بلا معنى.
- لن يصيبني أيّ شيء.
- أنا على ثقةٍ من هذا.
- أنا قويّةٌ بما يكفي، كما قالت صديقتي فاطِمَة.
- لا تعرقل مساري، حتّى لو رأيت أثر نزفي في الطريق.
أحيانًا، أشعر بالانزعاج عندما يبدي أحدٌ اهتمامه المبالغ، أو يخبرني بأنه كان قلقًا، أشعر بثقل المسؤولية، بأنّني كنت السبب، على الرّغم من الآخرين لا يفكّرون بذلك إطلاقًا، على العكس، يجدون ذلك شيئًا لا بدّ أن يفعلوه. يقولون:
- هل تترقّبين منّا ألّا نبالي؟
يبدون شيئًا من الغضب والاستهجان عندما أخبرهم أنّ الأمر (عاديّ) وعندما أطلب منهم عدم الاهتمام بلا مبالاةٍ لما يشعرون به.
- هل هذا جزاؤنا لأنّنا نهتم؟
لا يعجبهم إخباري لهم بأنه لم يكن عليهم أن يقلقوا بشأني.
مع الوقت المتأخّر، استوعبت أنّ لا بدّ أن أتقبّل مشاعرهم كيفما كان شكلها؛ لأنّها تعني لهم معاني عديدة، وليس القلق والانزعاج من بينها.
إذن لا بأس... هناك شجرةٌ جديدةٌ تملك جذرها أيضًا، وإن كانت صغيرة،
لكنّها هذه المرّة، اختارت مكانًا آخر لتنبت فيه...
اختارت قلبي.