السبت، 4 مايو 2024

جذور.


 كائنٌ يكره القلق.

أو على الأقل: لا يحبّه. 


ذات يومٍ كنتُ أتحدّث مع صديقةٍ لي، وهي قريبةٌ منّي جدًّا، لا أذكر تحديدًا ما كان سياق الموضوع، لكنّي أتذكّر جيّدًا أنّني كنت للتوّ قد أدخلت السيّارة في المرآب، وقبل أن نترجّل، قالت لي: "أنتِ غريبة، وقويّة في الوقتِ نفسه، أنتِ لا تبالين بالاهتمام". 

استفهمتُ مقولتها، شرحت لي أنّ اهتمام الآخرين بي هو نفسه غير مهمّ بالنسبة لديّ، إن وقع أو لا، فلا فرق، حصلت عليه أو لا، فالأمر سيّان.

هكذا كنت، أو بصيغةٍ أخرى: تدرّبت نفسي على ألّا تكون شخصًا يتلاحق خلف اهتمام الآخرين به، أو أن تكون الأفقر من ذلك: أن يتوسّل منهم تعاطفًا عابرًا، بكلمةٍ لطيفةٍ أو فعلٍ حسن، وكذلك كنت أعتقد أنّ أولئك الذين يقدّمون اهتمامهم على طبقٍ جاهز، إنّما ينتظرون ملئي لهذا الطّبق، تناولت ما فيه أو لا، يجب عدم إعادة الطبق فارغًا! 


بالنسبة إليّ، ما لم تفهمه صديقتي هو أنّ لفظة الاهتمام بحدّ ذاتها لصيقةٌ بلفظة القلق في قاموسي الذهنيّ، وفي منطقي الخاصّ المزروع في عقلي:


- الاهتمام يعني القلق، القلق ليس مريحًا لأحد.

- الاهتمام مثير للريبة، تشمّ فيه رائحة القلق.

- الاهتمام ليس حبًّا، بل مصدر إزعاجٍ وقلقٍ لا أكثر.

- الاهتمام مصدر أساسيّ للقلق، وأنا كائنٌ يكره القلق.

- من جرّب القلق يعرف شعوره المُنْهِك، لذا فلنبتعد عن الاهتمام.

- لا أحبّ أن يقلق عَلَيَّ أحد، ولا أن يهتمّ طالما أنّي سأكون بخير.


على كلّ حال... العبارة الأخيرة أصلها مُتَجَذِّرٌ منذ زمنٍ في داخلي، عائدةٌ إلى سنٍّ صغير، فأوّل ذكرياتي مع الاهتمام، أو مع القلق، كانت في طفولتي، فقد سقطت على رأسي، وأنا في حدود السّابعة من العمر، وربّما أصغر من ذلك أو أكبر بسنة. 

كنا نلعب نحن الأطفال الصّغار في غرفة خالي، وكان فيها مكتبةٌ كبيرةٌ لطالما تمّ تحذيرنا بل توبيخنا عن الصعود والقفز عليها، وعندما سقطت على رأسي، كان السبب محاولة ابن خالتي الأكبر منّي بعامٍ واحد أن يشقلبني بحركةٍ ما، فبكيت بطبيعة الحال؛ لأنني طفلة.

تمّ أخذي إلى المشفى سريعًا، وهناك أقاويل عديدة سمعتها من عائلتي لهذه الحادثة، كلٌّ بحسب روايته مثلًا:


- أصيبت والدتكِ بالهلع والبكاء! 

- وقعتِ مغمًى عليكِ وخفنا!

- أسرع خالان بأخذكِ إلى الطّوارئ سريعًا في فزع! 

- أصبنا بالحيرة فقد كانت بطاقتكِ الشّخصيّة لدى والدكِ ويجب القيام بإجراءات المستشفى!

- كنّا نفكّر بشأنكِ فقد قضيتِ وقتًا حتّى المساء في المستشفى وتمّ عمل أشعّةٍ عاجلةٍ لرأسكِ!


لكنّ العبارة الأكثر تردّدًا في ذهني هي أوّل عبارةٍ سمعتها بعد خروجي من المستشفى:  كنّا نظنّ أنّكِ سقطتِ من المكتبة، كلّ هذه (الواقعة) التي حدثت أقلقتِ الجميع وأفزعتِ أمّكِ، ولم يصبكِ شيءٌ بالنّهاية.

أنا لا أتذكّر من قال العبارة، أبدًا.

بعد أكثر من عشرين سنة، فكّرت فجأةً ذات مرّةٍ: هل كان يُنتَظَرُ من رأسي أن ينزف أو يتمزّق، حتّى أكون جديرةً بذلك الاهتمام؟ أو القلق؟ 

لا أتذكّر قائل العبارة، إطلاقًا، لكنّي - بذهنٍ طفوليٍّ للغاية - فهمت من بعدها، أنّ أيّ شيءٍ يصيبني، فإنّه ليس على أحدٍ أن يقلق بشأني..

 - ألّا يهتمّ...

- لأنّي سأكون بخيرٍ في النهاية. 

- كلّ ذلك القلق سيكون بلا معنى.

- لن يصيبني أيّ شيء.

- أنا على ثقةٍ من هذا. 

- أنا قويّةٌ بما يكفي، كما قالت صديقتي فاطِمَة.

- لا تعرقل مساري، حتّى لو رأيت أثر نزفي في الطريق. 


أحيانًا، أشعر بالانزعاج عندما يبدي أحدٌ اهتمامه المبالغ، أو يخبرني بأنه كان قلقًا، أشعر بثقل المسؤولية، بأنّني كنت السبب، على الرّغم من الآخرين لا يفكّرون بذلك إطلاقًا، على العكس، يجدون ذلك شيئًا لا بدّ أن يفعلوه. يقولون: 

- هل تترقّبين منّا ألّا نبالي؟

يبدون شيئًا من الغضب والاستهجان عندما أخبرهم أنّ الأمر (عاديّ) وعندما أطلب منهم عدم الاهتمام بلا مبالاةٍ لما يشعرون به.

- هل هذا جزاؤنا لأنّنا نهتم؟ 

لا يعجبهم إخباري لهم بأنه لم يكن عليهم أن يقلقوا بشأني.



مع الوقت المتأخّر، استوعبت أنّ لا بدّ أن أتقبّل مشاعرهم كيفما كان شكلها؛ لأنّها تعني لهم معاني عديدة، وليس القلق والانزعاج من بينها. 

إذن لا بأس... هناك شجرةٌ جديدةٌ تملك جذرها أيضًا، وإن كانت صغيرة،

لكنّها هذه المرّة، اختارت مكانًا آخر لتنبت فيه... 

اختارت قلبي. 


الأربعاء، 1 مايو 2024

نهاية مفتوحة


يعيد ماجد ترتيب طاولة المكتب في شقّته، وقد بلغ في ذلك المرّة الرّابعة لهذا اليوم، وخلال المرّات الأربع قد يفعل هذا وذاك، مثلًا: يزيح حامل كوب القهوة المزركش، يضع الكتب المبعثرة فوق بعضها، يصنّف الأوراق المتراكمة في الملفات كما كانت، يحرّك حاسوبه المحمول بضعة سانتيمترات، يُغلِقُ بوابة الطّابعة الإلكترونيّة، يفتح النّافذة ويلقي بفتات الفطائر على الطّبق الورقي الخاصّ بالحمائم أسفل الجدار، يمسح اللاشيء من أعلى الطاولة لأنه يعتقد أنها مُغبرة، يرشّ معطّرًا لتلطيف الجوّ برائحة النّسيم، وهكذا.


ماجد منظّمٌ غالبًا، وهو ذكيّ غالبًا، وبالمقابل: منعزلٌ كثيرًا.


 يجيد ماجد الرّسم والخطّ العربيّ، تراه يمزج بين الأحرف والسّطور، ويلوّن بالألوان السّاحرة المتمازجة بشكلٍ متناسق، لديه تلك اليد البارعة المتفنِّنة، يمسك الفراشي كما لو كان يعزف على الورق، أو يحرّكها كما تحرّك رياح الصيف الماءَ منسابًا بنسماتٍ رقيقة، كانت لوحاته  تعكس الأناقة بداخله، والجمال الذي في قلبه، كان لا يفضِّل بيعها، ولا المشاركة في عرضها للعلن في المعارض أو ما شابه.


أكثر ما يستهويه هو القراءة.. يملأ عقله يوميًّا بالصّفحات، يغرق فيها، يندهش من المعلومات التي تختزنها، يسافر في أرجائها، ينتقدها، يتخيّل كتّابها يجلسون معه في جلسةٍ فكريّة ناضجة، يسمع أصواتهم في عقله، ويعيش أجواءها، يتقمّص أدوارها أحيانًا، ينوّع بين زيارة المعارف أو طرق باب الأدب، وكلّما انتهى من كتابٍ اشترى بدلًا منه آخر، وهكذا…


 كانت هذه حياته الوحيدة، الأصيلة، بالنّسبة إليه، بالرّغم من وجود حياةٍ أخرى تنتظره بخارج غرفته.


كلّما تضايق ماجد يجد نفسًا مخيّرًا بين أمرين: أن يرسم، أو أن يقرأ. فإذا أراد سكب أفكاره أمسك الألوان وحوّلها فكرةً فنيّة، وإذا شعر بجفاف ذهنه وخوائه وتبلّده، استعان بالكتب واستزاد منها ما يشاء.


أما عن الحياة الأخرى الواقعيّة، فلا.


لم يستعمل ماجد الترتيب خيارًا ثالثًا، لكنّه هذه المرّة، مشوَّش، سيستقبل شخصًا جديدًا في هذا المكان، وهذا الشّخص ليس كأيّ شخص. بل هو امرأة.


اكتشفت نجوى موهبة ماجد بالمصادفة، في أثناء صمته سارحًا في مقرّ العمل، أي في شركةٍ يعملان فيها فيما يخصّ تدقيق بعض الحسابات وما شاكل ذلك، كانت تناديه ثلاث مرّاتٍ ولم يجبها، هي المتدرّبة الجديدة التي عليه أن يراجع دقّة عملها ويقيّمها، وكان مستاءً من ضغط العمل على كلّ حال، ينتظر يوميًّا أن تدقّ السّاعة الثالثة كي يفرّ إلى مأواه: غرفة الرّسم والقراءة.


بعد النّداءات الثلاثة كانت متحيّرة، اقتربت قليلًا فإذا بها تقبض عليه متلبِّسًا يخطّ عبارةً بالقلم الذي يحمله، على نصف ورقةٍ اقتطعها، وقد راق لها ذلك المشهد.


روح نجوى ليس صاخبةً على كلٍّ، تمتلك وحسب ابتسامةً جذّابة، وماجد لا يعلم كيف قَبِلَ بأن تشاهد أعماله الفنيّة في شقّته، وها هو الآن واقعٌ في التَشويش.


كيف قَبِلَ استضافة شخصٍ إلى عالمه الخاصّ؟ أراد أن يتّصل ملغيًا الموعد، لكنّه ما بين تردّدٍ وتردّدٍ آخر…انتهى به الحال  يسمع صوت الجرس.

إشارتان، وتدخُّلٌ سريع!


وضعت كوب الشّاي الزّجاجيّ الصّغير على صحنه الدّائري، وقلت: أعتقد أنّني قد أخذت صورةً عامّةً من خلال أسئلتي. هل لديك سؤالٌ آخر؟

أجاب الرّجل بأريحيّة: حسنًا، وأعتقد أنّ لديّ الأمر نفسه من جهتي، إلا أنّني أرغب في طرح سؤالٍ أخير: ما أهدافكِ على مدى عشر سنوات؟

عشر سنوات؟ ألا يُفترض أن تكون أهدافي هي نفسها الأهداف التي يرجو أن يحقّقها الجميع؟ يؤطّرونها بعبارة "تحقيق النجاح" في هذا وذاك و…

في الحقيقة لديّ أحلام أسعى لجعلها واقعًا، أكثر من كونها أهدافًا أسعى لتحقيقها، وهنا مكمن الخلل في حياتي، أنّني لا أعرف حقّ المعرفة ما أريده، لفظ الأحلام أقلّ خطورةً في وقعه، فإذا لم يتحوّل الحلم إلى حقيقة، فإنّه يبقى مجرّد حلم، لكنّ الهدف إذا لم يُصاب فإنّه عبارةٌ عن فشل.


قبل عشر سنواتٍ من الآن، بينما كنت في العشرين من عمري، كان لديّ حلمٌ أو هدفٌ، أيّهما أقرب. كنت أخبر نفسي: "الحياة قصيرة. أن أكمل دراستي، وأقرأ كتبا كثيرة،  وأجد بعض الأصدقاء، وأن يكون لي طفل مهذب أحب أباه. هذا فقط ما كان يجعلها تتمدد بالنسبة إلي."


أجبت الرّجل بغموض: هدفي الوحيد أن أجعل الحياة تتمدّد.

ابتسم بلياقة، كأنّه فَهِم، لم يعلّق.

فكّرت قبل أن أغادر الغرفة: إنّه لا يثير إزعاجي، ليس شخصًا فظًّا، تتناسق أفكارنا خلال ما أظهره قبل قليل، إجاباته كلّها واضحة ومتّزنة، تعكس شخصًا جديرًا بالاهتمام، ومن الممكن أن يكون شريكًا جيدًا، سيحفظني غالبًا. 


ساعةٌ واحدةٌ مع شخصٍ جيّد، ليست بالضرورة كافيةً لمنحه رخصة البقاء مدى الحياة..

ومع ذلك، أعتقد أنّي سأوافق هذه المرّة. بالفعل سأوافق! 

فكّرت في ذلك وأنا أستئذن الخروج، وقفت وخطوت بعض خطوات، نظرت بغيرٍ قصدٍ نحو حذائي، اللعنة! إنّه حذاءٌ جديد، لقد سقطت  الزّهرة التي تزين الفردة اليمنى. ربّما سقطت أسفل المقعد.


بينما أغلق الباب خلفي، عَلِقَ كمّ عباءتي المنسدل بالقبضة سهوًا، أحرّره بابتسامةٍ بلهاء، كي أغلقه بهدوء مرتبك، بينما أستمع إلى حديث بعض النّساء اللاتي أتين مع الرّجل، يخاطبن والدتي بلسانٍ عذوب، وقد أحصين الوقت الذي قضيناه، هي لم تكن ساعةً بتوقيتهن، بل ساعتان إلا ربعًا.


أدير ظهري إلى باب الغرفة، المجلس الذي لم أدخله لخطبةٍ تقليديّةٍ منذ أربع سنواتٍ إلا ربعًا. تحاول النساء المعدودات القلّة أن تستشفن موافقتي من عدمها من خلال وجهي، نظرت إلي إحدى أخواته، وقبل أن أبادلها النّظرة، رأيت غمامةً أمام عينيّ.


شعرت بصداعٍ في رأسي، وقلبي خفق بشدّة، يتبعه دوار جعل قدمَيّ تترادفان في خطواتها نحو أقرب مقعد، آخر ما سمعته هو اسمي.


ذهبت في غيبوبة قصيرة واستيقظت، شخّصها الطّبيب فيما بعد بأنّه إجهادٌ عصبيّ، غالبًا سببه قلّة نومي، وعدم تناولي الكافي للطّعام، في مقابل ارتفاع نسبة الكافيين، وهو محقٌّ في كلّ ما ذكره، فمنذ أسبوع وشهيّتي مفقودة، وأستيقظ مرارًا وتكرارًا خلال النّوم، هذا إن نمت حقًّا! فضلًا عن إسرافي في تعويض ذلك بشرب القهوة والشّاي أكثر من اللازم، كما أنّ عملي يتطلّب استعمال الحاسوب بكثرة، وهو مرهقٌ للأعصاب. 


بعد خروجي، رددت بالرّفض على عائلة الرّجل.

إشارتان كانتا تحاولان إيقافي، وعندما لم يفد ذلك، تدخّلت روحي تدخُّلًا سريعًا بأن تعلنها وبشكلٍ حاد: لا! تعطّلت عن العمل فجأة، هذا لم يحدث مسبقًا طوال حياتي! أن أسقط…

ولقد كانت تحاول إيصال ذلك في أسبوعٍ كامل: هذا ليس ما نرغب فيه يا فتاة! ليس هذا طريقنا!

لكنّ الطريق الذي تحاول روحي دفعي باتّجاهه لا أشعر بأنّه يناسبني غالبًا! لطالما رأيته مسدودًا، لا يمكنني اقتحامه، يشعرني بالهول.


وما ترغب فيه.. هو شخصٌ تحبّه، يكون والد الطّفل المهذّب الذي تودّ إنجابه لاحقًا.


لكنّ شخصًا كهذا صار بمثابة الميت؛ كلاهما لا أمل فيه.

فلماذا اختارت روحي أن تتصنّع موتها هي الأخرى، ولو مؤقتًا؟ فقط لكي تقول: لا؟ لكي تعلن صوت حياتها لاحقًا؟


على كُلٍّ، ها قد استيقظت، وهذا هو المهمّ الآن.