الخميس، 22 نوفمبر 2018

جملٌ متسائلٌ يسير في طريق 515.


جملٌ متسائلٌ يسير في طريق 515.


        سار (أشهب) – كعادته – مع بقيّة أصدقائه في القافلة الصّغيرة خطوةً فخطوةً بشكلٍ هادئٍ ومنظّمٍ مرتّب، نحو البقعة التي يرعو فيها ككلّ يوم. لقد قادهم اليوم ذلك الرّجل، صاحبهم نفسه الموكّل برعايتهم وقيادتهم نحو منطقة الطّعام تحت الشّجرة في الباحة المطلّة على شارع البديّع. يسمّونه الراعي، أو الجَمّال أحيانًا. إنّه يرتدي في هذا الصّباح قبّعةً جديدةً حمراء اللّون، تقيه من ضوء الشّمس ما إن يشتدّ. هكذا تسير القافلة في حوالي الساعة الثامنة والنصف في الغالب، أكثر أو أقلّ، لا يهمّ ذلك. ما يهمّ الجمل أشهب وبقيّة الجِمال شيءٌ واحد في المقام الأوّل.

"الطعام! وأخيرًا وصلنا. كيف تستطيع أن تكون في آخر القافلة؟"

قالها (سِنام) وهو يتناول شيئًا من الأرض ويلوكه في فمه بين أضراسه. – سنام هو الجمل صاحب السّنام الأرفع والمنتفخ أكثر من بقيّة الجِمَال، ولهذا سُمّي بهذا الاسم.- فأجابه أشهب: "إنّي أتأمّلُ ما حولي! انظر قليلًا في هذا الكون". قالها بتململٍ ثمّ أضاف: "إنّك دائمًا جائعٌ ومتحمّسٌ للطعام، مع أنّك جملٌ ولديك سنامك الصلب المنتفخ، هل لديك مشكلةٌ في تخزين الطّعام؟". يردّ سِنام كأنّه يدافع عن نفسه: "كلا، ولكنّي أحبّ الأكل. لذيذ! هذا العشب لذيذ، كلْ، تلذّذْ!".

ضحك أشهب منه قائلًا: "يا لك من ملهوف! إنّك تشبه هؤلاء البشر الضّعاف الذي يأتمرون علينا". ثمّ اندفع في حديثه: "انظر، انظر قليلًا، ألم تلاحظهم؟ إنّهم يأكلون صباحًا وظهرًا ومساءً وأحيانًا عصرًا، بل إنّهم يأكلون طعامهم فرادى أحيانًا وأحيانًا معًا كنوعٍ من الاستمتاع. لقد اخترعوا المطاعم والمقاهي، ولم تكفهم فجعلوا أماكن متخصّصةً لهذا النوع من الطّعام أو ذاك، هناك مثلًا محلّات خاصّة بالحلويّات وثانية بالوجبات السريعة – الماك والجسميز والبرغركنغ والهادارز... لحظة، ماذا كان اسمه؟ الهاردوز، الهارزيس، الهارديز، نعم صحيح، وغيرها الكثير لا تحصى! –  وأخرى متخصّصة بالأسماك والوجبات البحريّة، وهناك مطاعم للإفطار وأخرى خاصّة بالغداء، وأيضًا بالعشاء، كأنّ هوايتهم إشباع معداتهم التي قد لا تكون جائعةً أصلًا، إنّهم يستنزفون الكون!". قال سِنام: مهلًا يا أشهب، ما لك؟ هل تغبطهم؟ أتحسدهم على ما أنعم الله عليهم أم أنت مندفعٌ جدًّا؟ ببساطةٍ هم لا يملكون ما نملكه، كلُّ مخلوقٍ في هذا الكون لديه ما يمكّنه من التكيّف مع طبيعة حياته. حسنًا أنا لا أعرف شيئًا كثيرًا، لكن يبدو أنّ هؤلاء البشر لا يحتاجون إلى مثل سنامنا أو معداتنا القويّة، لكنّي أعتقد أنّهم بحاجةٍ بالفعل إلى كلّ هذه المطاعم والمأكولات المتنوّعة والوج...

يقاطعه أشهب: "بل إنّهم ضعافٌ حقًّا، هل يمكن لأحدهم أن يأكل ما نأكله نحن؟ لو فعلوا لما استطاعوا أن يوصلوه لحلوقهم! ثمّ إنّهم من شدّة ضعفهم جرثومة واحدة ربّما تكفي لفتك معداتهم وإيصالهم إلى المشافي، أو فيروسٌ واحد يجوز أن يؤدي بهم للموت". يقول سنام: "هيه! لا تفكّر كثيرًا دعنا نأكل بالرّاحة ونشبع، ألا ترى هذا المكان من حولك؟ لنا فقط هذه الأرض والتي ربّما يمتلكها أحدهم، وكذلك الإصطبل، أمّا هم فلهم كلّ هذا المكان الذي تراه حولنا، الشارع والطريق وهذه المحلات. هكذا نحن، نعيش معهم ونحن مسخّرين لأجلهم – ولسنا وحدنا –. كانوا يأكلون لحمنا إذا شاءوا، يشربون لبن الإبل، يركبون علينا فيسافرون إلى حيث المسافات البعيدة، كنّا نحمل أمتعتهم، كانوا يضربوننا ويضربون الخيول والحمير أيضًا بالسياط إذا أرادوا الإسراع... قل الحمد لله أنّهم لم يعودوا يفعلون ذلك".

"صحيحٌ أنّني اندفعت في حديثي، لست أحسدهم بل أستعجب. لماذا هذه المخلوقات التي سخّر الله كلّ ما في الأرض من أجلها تستهلك كلّ هذا؟ في الحقيقة، البشر أذكياء، إذا كنت سأحسدهم على شيء لكان عقولهم، تلك القوّة الفذّة التي لا مثيل لها. إنّهم لم يعودوا يرغبون في التنقّل والسّفر بواسطتنا؛ لأنّهم صنعوا السيارات والقطارات والطائرات والبواخر وجميع وسائل النقل، يقطعون ما كنّا نقطعه في أشهر في غضون ليلةٍ أو أقلّ بكثير، ساعات فقط، تخيّل! بينما نحن نأكل ونشرب ونرعى ونتجوّل خلال حوالي ساعتين أو ثلاث، يمكن لطائرة أحدهم أن توصله إلى مكانٍ ما خارج البحرين، إلى دولةٍ أخرى، إنّ هذا لسحرٌ عجاب!".

صمت سنام لأنّه لا يرغب في سماع مفاخر البشر أو عيوبهم الآن، بل يريد أن يأكل وجبته. يحبّ سنام أن ينتقيَ الأعشاب، إنّه يفضّل تلك الأعشاب الجافة أكثر من الخضراء، وأحيانًا تكون فرصته سعيدة إذا وجد شيئًا من النباتات الشوكيّة كالتي توجد في الصحاري. يصمت أيضًا أشهب، ولا يواصل حديثه، لديه أفكارٌ كثيرةٌ وأحلام، كلّما سار في طريق 515 تراوده وتأتيه. يظنّ أحيانًا أنّه سيكون فيلسوف الجِمَال الأوّل، يتمنّى في أحيانٍ أخرى أن يكون إنسانًا، يتخيّل شكله برجلين ويدين ذوات أصابع، بظهرٍ مستقيم، بوجهٍ لا يشبه وجه الجِمَال في شيء، ربّما يكون شعر رأسه أشهب اللّون إذا تقدّم في العمر، لكن لن يكون بدنه كلّه أشهب اللّون، بنيًّا فاتحًا جدًّا مائلًا للبياض الشديد، على أيّة حال.

هو في النهاية يبقى جملًا، وعليه أن يأكل ويسدّ حاجاته الحيوانيّة، فسارع في تناول طعامه وشرب ماءه. أمّا الإنسان وحاجاته الحيوانيّة وغير الحيوانيّة، فليس له شأن بها. مع ذلك، فكّر مرّاتٍ عدّة أنّه لو تعلّم أكثر هو وآلاف الحيوانات، لو كانت للجمال أو لبقيّة الحيوانات مدرسةٌ أو جامعةٌ أو حتّى كليّةٌ صغيرة، لو كان لديهم معلّمون كما للبشر –  فلن يكون عالمهم حيوانيًّا إلى تلك الدّرجة التي يُقال عنها: "قانون الحيوان" أو "قانون الغابة"؛ لأنّ العلمَ يُهذّب النفس ويورث الحكمة. ولربّما يخرجون من طور الحيونة إلى الإنسانيّة، أو على الأقلّ إلى طورٍ مقاربٍ إلى الإنسانيّة؛ لأنّه قد تنقصهم بعض المشاعر التي لا يمكن أن يشعر بها إلا النّاس اتجاه بعضهم. لكنّ السؤال الذي حيّر الجمل أشهب كثيرًا، ولم يستطع الإجابة عنه: "لماذا رغم العلم والمشاعر الإنسانيّة تظلّ بعض النفوس حانقةً على غيرها؟ لماذا يتحارب بني آدم؟ لماذا يذخرون علومهم للشرّ والفتنة فيما بينهم كما لو كان عالمهم يسير بقانون الغابة الذي لم يُوضَع لهم؟ ما الذي ينقصهم؟"

في أحد الأيّام، بينما كان الجمل أشهب يعبر طريق 515 مع بقيّة المجموعة، لفت انتباهه أمرٌ جديدٍ لم يلاحظه سريعًا من قبل، حاول أن يرتّب خطواته تماشيًا مع المجموعة ومع مسيرة القائد الرجل الإنسان. لاحظ معهد اللّغات الموجود في تلك المنطقة، وأثار اهتمامه بشدّة، كان سعيدًا بهذا الاكتشاف الغريب الذي ظلّ زمنًا طويلًا يظنّه تابعًا لسلسلة مآكل الآدميين على امتداد هذ الطريق. أوّل شيء خطر بعقله: "ماذا لو اقتحمت المكان؟ هل سيسمحون لي بتعلّم لغةٍ بشريّة؟ مبادئ العربيّة أو الإنجليزيّة للمرحلة ما قبل التمهيديّة. سيكون مثيرًا لو درست الألمانيّة أو اليابانيّة، هل يُدرّسون الهنديّة أيضًا؟ على الأقل بضع كلمات، كلا، على الأقل عشر، فيم يختلف اللّسان الجَمَلِيّ عن اللّسان الآدميّ؟ كلاهما يساعد في تقليب الطعام في الفمّ ومضغه، فهل لسان الإنسان مرتفعٌ عن الجمل فقط لأنّه يستطيع تذوّق طعم لبن الإبل؟". يقطع تفكيره (شُهُب)، الجمل الأسرع في المجموعة قائلًا:

"تحرّك يا أشهب! انظر إلى الأمام!"

يمضي مكملًا طريقه حتّى الوصول إلى المرعى كالمعتاد، وما يزال يشغل تفكيره ذلك المكان. يقضي وقته مع المجموعة. يلتقط شيئًا من النبات. يتساءل: "هل يمكنني أن أقترب من أحدهم أو إحداهن هنا؟" يمضغ ما تناوله. يبتلعه. يواصل التفكير مع نفسه: "لا أعتقد أنّه يمكنني فتلك السيارات التي نافست الحيوانات في عمليّة التنقّل لها رائحةٌ غريبة تجعلني أنفر كلّما اقتربت منها، كذلك لا يمكنني إخافة البشر، يوجد فيهم من الجبناء مع أنّنا أليفون جدًّا، ولنا علاقةٌ معهم منذ زمنٍ بعيد". يمدّ عنقه للأسفل لتناول شيءٍ آخر.

"انظر إليه، لقد شغلته أمور البشر وهو مخلوقٌ ليؤدّي دوره بصفته جملًا!" قالها شُهُب مخاطبًا سِنام بشيءٍ من السخرية. فردّ عليه الأخير: "اتركه! سيتوّقف يومًا ما، لا يمكنه مهما حاول أن يتخطّى حدوده التي فُطِرَ عليها". التفت إليهما أشهب: "انظروا إلى ذلك المكان، إنّه مكانٌ تُدرَس فيه اللّغات، ألا ترونه مثيرًا مثلي؟"

ضحك شُهُب ملء فيه وقال: "مثير؟ ألديك عِرْقٌ من البشر لا نعلمه؟ أو هل أنت آدميٌّ خُسِفَ على هيأة جمل؟" ثمّ أضاف بسماجة: " كنت أعلم بشأن هذا المكان ولكنّي لم ألقِ بالًا له، ألتقط بعض الأحاديث من هنا وهناك. ما رأيك أن أقوم بحركةٍ مشاكسةٍ لأحد المعلّمين، أظنّ أنّني تعرّفت على أحدهم، ذلك الذي يأتي متعجّلًا أحيانًا. هل أطلب منه أن يدرّسك بعض الكلمات، هاه؟ أظنّ أنّه يدرّس الإنجليزيّة، سمعت ذلك من إحدى طالباته وهي تتحدّث مع زميلتها. هل أجعله يعلّمك الحروف على الأقلّ؟ هل تظنّ أنّك ستنطقها؟ لن يسمع منك إلا رغائك! ولعلّه يخاف منك ويفرّ إلى داخل المعهد هربًا منك إذا قلت له: إيه (A) رافعًا صوتك في وجهه!"

"هل تسخر منّي الآن؟"

"البيان صفةٌ مختصةٌ ببني البشر يا حيوان!"

"إذا كان البشر أحيانًا يتعلّمون كثيرًا من الأشياء التي لا يستخدمونها فعليًّا في الحياة، فما يضير الجمل إذا تعلّم أشياء لن يستخدمها فعليًّا أيضًا؟"

"أيها الأحمق!!"

"أنا متأكّدٌ من أنّهم سيفهمونني بذكائهم. انظر إلى راعينا وإلى مالكينا، إنّهم يعرفون بدقّة كيف ينظّمون حركتنا، يعرفون ما بداخل أجسامنا، يمتهنون الطّبابة البيطريّة ويستطيعون معالجتنا، يعرفون حاجتنا من الغذاء والماء والتنفّس والنّوم والحركة، يستطيعون حتّى أن يخاطبوننا، نحن نجلس على الأرض ما إن يقول أحدهم "نخْ". ثمّ... ألا تعلم أنّ أقدام الجمال كانت تسير مع صوت الراجز بهدوء وبراحة؟ أصواتهم وحدها لها موسيقا عذبة. هل سيعجز العقل البشري عن تعليم الحيوان؟ ألم تسمع عن تعليم القرود واكتشاف أدمغتهم وسلوكهم، حتّى كاد بعضهم أن يقوم بحركاتٍ وأعمالٍ يقوم بها بنو البشر وحدهم؟ ألم تسمع أيضًا عن الطيور التي يريبها النّاس فيتكلّمون مثلهم و...

قال شُهُب مقاطعًا: "توقّف توقّف! أنت جملٌ أم إنسانٌ أم قردٌ أم ببّغاء؟ يا ذكيّ! يا فيلسوف زمانه! ألّا تعرف الفرق بين كلِّ مخلوقٍ وآخر، ثمّ من قال إنّ بعض الطيور تتكلّم، إنّها تقلّد فحسب، وأنت لا تملك هذه المقدرة".

اشتدّ غضب أشهب فابتعد عن المجموعة قليلًا، اتجه ليأكل من مكانٍ أبعد. لحقه سِنام الذي كبت ضحكته قليلًا؛ فشُهُب لديه من صلافة الجِمَال ما يكفي لجعله متحدّثًا ساخرًا وبغيضًا ومزعجًا. أمّا أشهب فيبدو أحمقَ بالفعل حينما ينفعل، رغم أنّه مميّز بتفكيره في أشياء لا يفكّر فيها الجِمالُ عادةً في الحقيقة، أو لنقل يتعمّق فيما لا داعيَ له أن يتعمّق فيه، وإن كان الجميع لا يعترف بتميّزه ولا يشهد له، فقط لأنّه جملٌ، والجمل غير الإنسان، ولكلّ كائنٍ شئونه، ومن الأنسب للجِمالِ أن تبقى جِمَالًا. على أيّة حال، عندما اقترب سِنام من أشهب نادى به قائلًا:

" انتظر! لا تبتعد كثيرًا، بالقرب من هنا يحفرون وينقّبون عمّا يسمّونه آثارًا".

قال أشهب: "حقًّا؟ إذن لن أفسد عليهم ذلك". ثمّ أضاف متمهّلًا: "سأتناول بعض الأعشاب من هنا ثمّ أعود، أودّ مراقبتهم".

وقف سنام بجانبه قليلًا: "أعلم أنّك تفكّر كثيرًا في أشياء لا تهمّ الجِمَال إطلاقًا، وأرجو أن تتوقّف عن ذلك حقًّا؛ لأنّه لن ينفعك بشيء، لن يغيّر من كونك حيوانًا يغطّيه الشعر، يملك أربعة أرجل في أسفل كلٍّ منها خفّ، يأكل الأعشاب ونباتات الصحراء والأشواك، لديه سنامٌ ويطلق رغاءً، وعينيه كبيرتين سوداوين، وفمه كبيرٌ بما يكفي ليلوك ما يأكله".

صمت أشهب لثوانيَ ثمّ قال – وكأنّه لم يسمع ما قاله سنام للتوّ –: "ما رأيك أن نؤرّخ تاريخًا للجمال؟ بالخصوص تاريخنا مع العرب، فنحن لم نقصّر معهم في الحقيقة، وكنّا لهم ضرب المفاخر في الغنى والهبات، وكنّا وَسِيلتَهم الأساسيّة في التنقّل، وهم يحبّون حليب إناثنا. حسنًا، هل تعرف أنّ حرب البسوس قامت بسبب ناقة؟ وهل سمعت بفتنة الجمل؟ يُقال أيضًا إنّ الرّجال كانت تركب الإبل لأنّها أسرع، ونحن الجِمَالُ كانت النساء تركبن على ظهورنا تحت أخدارها. هذه أشياء على سبيل المثال لا الحصر، ألا تستحق أن نذكرها بصفتها تاريخًا للجمال، سواءً أكانت إيجابيّةً أم سلبيّة. ألا ترى أنّ الإنسان يهتمّ كثيرًا بتاريخه ويحرص عليه؟ سنتناقل نحن أيضًا تاريخنا سماعيًّا إلى أن نخترع رموزًا نكتب بها لغة الجِمال، ما رأيك؟". حدجه سنام ثمّ قال: "سأعود إلى مجموعة الجمال، فلتلحق بي بعد حين".

_______________________________


.
.
.

خاتمة:

يوميًّا، عندما تمرّ على شارع البديّع صباحًا، بعد مرورك بدوّار سار، مجتازًا محطّة البترول والمتاجر الصغيرة والمطاعم وبعض فروع البنوك التي لا قد لا ينتبه المرء لوجودها إلا إذا قصدها، ومجتازًا كذلك مركز الشرطة ومركز إطفاء الواقع بالقرب من قرية (مقابة) – سترى حينها ساحةً واسعةً. وتحت شجرةٍ مخضرّة طويلةٍ نسبيًّا، تجد مجموعةً من الجمال التي يبلغ عددها حوالي خمسة أو ستّة، أو سبعة في أقصى حدّ. وإذا كان الشارع مزدحمًا ستكون الفرصة أكبر لتأمّل منظر هذه المخلوقات اللّطيفة أو حتّى تصويرها – وهذا من باب النصف المملوء من الكأس كما يُقال –. تذكّر أن تلقي نظرةً ولو خاطفةً عليها؛ فسنام أحد هذه الجمال، كما هو شُهُب أيضًا وأشهب.

تمت.
22/11/2018م. 12:44ص.
تهدى إلى زميلاتي التسعة، وأستاذهن.

السبت، 10 نوفمبر 2018

انطوائي.


انطوائي.


          كيف يستطيع الأبكم أن يعيش من دون أن يتحدّث؟ أن يعيش من دون أن يخبر أحدًا بكلماته عن شعوره الدّاخلي السّعيد أو التّعيس؟ كيف يمكنه أن يتكيّف مع الصّمت عن الأحداث الصّغيرة التي يمرّ بها؟ بل كيف يكتفي بالتعبير بملامحه أو بإشاراته من دون أن ينطق ببنت شفةٍ واحدة تعبّر عن الامتنان مثلًا أو الأسى أو الأسف أو الإعجاب؟ مثل هذه التساؤلات قد شغلتني. قبل مدّةٍ أخبرني زميلٌ معاتبًا: لماذا تبدو غالبًا كأبكم؟ لا تتحدّث كثيرًا ولا تأتي للخروج معنا؟ لماذا أنت هادئٌ ومنعزلٌ إلى هذه الدرجة؟ فكّرت لمدّة ستّ ثوانٍ تقريبًا إذا ما كنت كذلك. ابتسمت، وبعد ذلك أجبته: لا أفضّلُ الحديث كثيرًا، خاصّةً عندما أركّز في عملي، ولديّ ما أفعله. فيما بعد كان كلُّ واحدٍ منّا في عمله المعتاد في القسم. كنت مشغولًا في تدقيق المقالات التي ستُنشَر غدًا في الجريدة، وكان هو مشغولًا بإعادة صياغة بعض الأخبار الاقتصاديّة أو تنظيم صياغتها على الأقلّ.

          في الحقيقة، بدأت العمل في جريدة (الأمل) في قسم التّدقيق اللّغويّ منذ بضعة أشهر، على الرّغم من أنّني مجرّد خرّيجٍ من كليّة الآداب من قسم علم النّفس بالجامعة، فضلًا عن أنّي كنتُ هاويًا ممتازًا للقراءة، ومحبًّا شغوفًا بالكتابة. لعلّي كنت محظوظًا باجتيازي امتحان القبول الخاصّ بهذا القسم هنا، بعد عجزي عن الحصول على عملٍ يناسب التخصّص الذي أصبحت شهادتي منه، أو يناسبني تحديدًا. أتذكّر أنّني في إحدى المرّات حاولت أن ألتحق بأحد المراكز التي تختصّ بالاستشارات النفسيّة الاجتماعيّة، سألني أحد المقابلين بما يشبه الحنق: كيف ستستطيع أن تنصح الآخرين من دون أن تتحدّث معهم بما فيه الكفاية؟ أجبته بأنّ هذا العمل يتطلّب الإنصات أكثر من حاجته للكلام، لكنّه لم يقتنع بالطّبع – أنا أيضًا لم أكن لأقتنع لو كنت مكانه –، بل أجاب: وإذا ما كان أحدهم من النّوع قليل الكلام مثلك، منطويًا على ذاته، هل ستغرقان معًا في صمت؟ حينها أنا الذي صمتت عن الإجابة.

          كان عدم دفاعي عن نفسي عادةً اكتسبتها منذ زمنٍ، وشجّعني على مواصلة هذه العادة أنّني قرأت يومًا قبل بداية سنتي الأولى في الجامعة – أنّ على الإنسان أن يدّخر طاقته بدلًا من إهدارها واستهلاكها في الوضع الدّفاعيّ، وأنّ عليه أن يتخلّى عن الحاجة إلى إقناع الآخرين بوجهة نظره. ومع أنّني داخليًّا كنت لا أوافق الكاتب، أو ربّما لم أفهم قصده تمامًا؛ لأنّ الناس من وجهة نظرٍ واقعيّة يريدون أن يسمعوا أحيانًا دفاعك، أن تخبرهم لماذا فعلت هذا أو لماذا لم تفعل ذاك، أن يعرفوا رأيك بالأمور الخاصّة أو العامّة، أن يتفهّموك بالشّكل الصّحيح من دون لبسٍ أو خطأ. على الرّغم من ذلك كلّه – كنت قد وجدته مبرّرًا يتوافق مع عادتي هذه، فتمسّكت به، ولم أدافع عن نفسي في تلك المقابلة.

كذلك لم أدافع عن نفسي أيضًا حينما قالت لي ليلى بغضب: كيف ستتمكّن مستقبلًا من أن تعالج مشكلات الآخرين النّفسيّة وأنت عاجزٌ عن معالجة نفسك؟! لم أقل لها إنّني بحثت كثيرًا عن الإجابة التي أستطيع بها أن أحلّ مشكلتي، لم أذكّرها بتلك العبارة التي تقول إنّ بائع الأزهار يكون هو الآخر سعيدًا حينما يُهدى وردة، لم أخبرها بأنّ اختياري لتخصّصي كان من أجل نفسي في المقام الأوّل. – كانت ليلى صديقةً مع أنّني نادرًا ما أعقد صداقات، وبالذّات مع الجنس الآخر. هل قلت صديقةً مقرّبة؟ هل كانت حقًّا صديقةً أم كانت أقلّ من ذلك؟ هل كانت الوحيدة التي ألقت إليّ حبلًا أو طوق نجاةٍ لمساعدتي؟ هل كانت مساعدتها لي بدافع الاهتمام كما ادّعت؟ ربّما كان ذلك صحيحًا، نعم ربّما كان، لكنني اكتشفت مع الوقت بأنّي مجرّد تطبيقٍ عمليٍّ وفأر تجاربٍ ممتازٍ لما كانت تدرسه وتعمل عليه مقدّمًا من أجل بحث تخرّجها عن الانطوائيّة؛ فلقاءاتنا كانت أشبه ما يكون بالجلسات النفسيّة، بل حتّى أحاديثنا الشّخصيّة لم تكن من أجل التّعارف كما كانت تقول، ولم أكن مثيرًا للإعجاب من كثرة التهامي للكتب الدّراسيّة وغموضي الخفيّ. – عندما قالت عبارتها تلك أيضًا لم أخبرها بأنّني غاضب، وأنّه لم يعدّ يهمني إن كانت مشاعرها نحوي قد تبدّلت إلى ما يشبه الحبّ والألفة، وأنّه لم يفدني اعترافها واعتذارها أبدًا. كنت أريد أن أشرح ليها كيف كان شعوري رهيبًا، وأن أسألها بكلّ سخريّةٍ إن كان غضبها هذا بسبب إخفاقها في محاولة تغييري وبالتالي فشل مشروعها! كان غضبي في الأصل يظهر في وجهي وفي لغة جسدي. شربت كأس الماء الموضوع على الطاولة، وكأنّي أردتُ بشدّةٍ أن أبتلع الكلمات التي تحشرجت في حلقي بعد أن عجزت عن إخراجها، ثمّ وقفت وأعدت الكأس بقوّةٍ مصدرًا صوتًا مزعجًا على الطاولة حتّى ظننت أنّه كاد ينكسر. غادرت، ثمّ انقطعت علاقتي بليلى نهائيًّا مُخَلِّفةً مزيدًا من الانطوائيّة في تلك الفترة بالطبع!

لم أكن بحاجةٍ إلى حبلٍ أو طوق نجاة، بقدر ما كنت أحتاج إلى يد.

هل شعر أحدكم يومًا بأنّه عالقٌ وحده في جزيرةٍ منعزلةٍ لا يفكّر أحدٌ باكتشافها ويكتفي بالمرور عليها؟ أو بأنّ هناك حاجزًا زجاجيًّا يفصل بينه وبين عالمه؟ أو مثلًا بأنّه يتخبّط غرقًا بلا طوق نجاةٍ وحده؟ هل شعر أحدكم يومًا بأنّ ظهره منحنٍ قليلًا لأنّه وحيدٌ جدًّا؟ بأنّ قلبه ممتلئ بالكلام وعقله فارغ من الكلمات في الوقت نفسه؟ وبأنّه يفيض حزنًا أكثر كلّما عجز عن التعبير أمام شخصٍ ما بما يكفي؟ هكذا كنت أعاني من الدّاخل. حسنًا في الحقيقة لم أعد بالخيبة من تخصّصي الجامعي في محاولة إنقاذ ذاتي؛ فقد شعرت بأنّني أفهم نفسي أكثر، ولذا حاولت مرّاتٍ عدّة أن أتكلّم بحريّة وأن أكتسب بعض الأصدقاء – أو العلاقات الاجتماعيّة على الأقل –، وأصبحت أعبّر أحيانًا عمّا يخطر بعقلي، وأجيب عن الأسئلة التي تدور حولي، ومارست الكتابة بحبٍّ وشغفٍ أيضًا. لكنّني في نهاية المطاف لم أتخلّص من المشكلة تمامًا، فما أزال – كما أجبت عن زميلي في العمل – لا أفضّلُ الحديث كثيرًا، خاصّةً عندما أركّز في عملي، ولديّ ما أفعله.

بالمناسبة، يتهامس البعض أو يتحدّث من خلفي عندما أقول إنّ لدي ما أفعله في المنزل. مرّةً أخذني أحدهم بجانبٍ وأخبرني أنّهم يتساءلون عمّا إذا ما كنت مشغولًا حقًّا أم أنّني أتهرّب منهم. الأوّل: عبدالله، يقول إنّني أخاف من صرف نقودي، أو بخيلٌ لا يريد أن يضطرّ للدّفع بدلًا من زملائه يومًا. الثّاني: جهاد، يقول إنّ دراستي ربّما أثّرت في صحّتي العقليّة. الثّالث: داود، يقول إنّني لا أحبّه شخصيًّا ولذلك لا أذهب معهم. الرابع – وهو ذلك الـ(أحدهم) –: بدر، يقول إنّني ربّما كنت معذورًا حقًّا ولديّ ما أفعله. يجيبه عبدالله: وما الّذي يشغله وهو لا يملك زوجةً وأبناء أو إخوةً صغارًا على أقلّ تقدير؟ يوافقه جهاد الرأي ويقول: نحن فينا المتزوّج والأعزب ومع ذلك نخرج معًا كزملاء عملٍ بين فترةٍ وأخرى، إنّه يتحجّج ويتجنبنا. يقول بدر: ربّما ما يزال غير معتادٍ علينا فهو جديدٌ في القسم تقريبًا، لم يصل إلا منذ ثلاثة أشهر ونصف، أو ربّما بالفعل لديه بعض الأعباء الخاصّة. يصرّ داود أخيرًا قائلًا: بل هو لا يرتاح إليّ والتّعامل معي، أنا أعرف ذلك، لا بدّ أنّه منزعجٌ منّي خاصّةً بعد المرّة الّتي استلم فيها عملًا إضافيًّا عندما كنت غائبًا ذات يوم. فيردّ بدر عليه: بل هو هكذا مع الجميع، ثمّ إنّه في يومٍ غيابك قرّر بنفسه باختياره لا بالإجبار أن يستلم النّصوص التي كان من المفترض أن تقوم بها. كانت ردّة فعلي بأنّني تبسّمت ضاحكًا من قوله ثمّ قلت له واضعًا كفّي – متعمّدًا بحركةٍ حافظٌ معناها في لغة الجسد – على كتفه وأربّت عليها: لا بأس، لا بأس، لا تهتمّ.

يبدو أنّ الحال الذي نحن فيه كبشرٍ مؤسفٌ حقًّا، فكلُّ واحدٍ منّا ما يزال نرجسيًّا بطريقةٍ أو بأخرى، تمامًا كما قال فروم: "كلٌّ منّا لديه نظرة غير موضوعيّة للعالم، وهو ما لم يدمّره نزوعنا النرجسيّ". ويعني بذلك أنّ كلّ شخصٍ يرى العالم من زاوية نظره، ويمكن أن يشوّه الوقائع والأشخاص بما في عقله، لا أن يراهم بما يبدون عليه.

وتمامًا كما عبّر ألبرتو مانغويل في عنوان روايته: "كلّ البشر كاذبون".

على أيّة حال، لم يلتفت أحدهم أنّني لم أقلّ إنّ لديّ الكثير ممّا يجب فعله في المنزل، بل قلت إنّ لدي ما أفعله. وإذا ما أراد أحدٌ الحقيقة، كنت أعود للمنزل وقضاء بعض الوقت الممتع بمفردي، في القيام بأمرٍ واحدٍ أو أكثر، فتارةً مثلًا أشرع في قراءة كتابٍ جديد. أحيانًا أمارس بعض الأنشطة الرياضيّة. ربّما أتناول وجبةً شهيّةً وصحيّةً من صنع يدي، وربّما أطلبها من مطعم. لا بدّ لي يوميًّا من الاعتناء بأشجاري الصغيرة المزروعة وملاحظتها. قد أشاهد فيلمًا ما كوميديًّا كان أو دراميًّا أو وثائقيًّا. تارةً أخرى أكتب شيئًا ما مثل هذا النّصّ. أمّا إذا ما فكّرتُ يومًا في الخروج من المنزل اخترت أهدأ الأماكن وأقلّها ازدحامًا، كشاطئ البحر أو مقهًى هادئٍ لشرب القهوة أو الشّايّ.

رأيت رؤى للمرّة الأولى في المكان الثاني. وبمحضّ الصدفة، بالصدفة فقط، كان كلانا يحمل معه روايةً للكاتب الفرنسيّ غيوم ميسو. هي من انتبه إلى ذلك أولًا في الحقيقة. بينما كنت أقرأ شعرت أنّ أحدًا ما ينظر إليّ، فرفعت رأسي ونظرت حولي حتّى اتجه بصري نحوها، فالتقت أنظارنا لمدّة ثلاث ثوانيَ – أو أكثر بقليلٍ جدًّا – استوعبَتْ خلالهن ما يحدث فقالت بعفويّة: أوه! عذرًا، أنت تقرأ للكاتب نفسه. سكتتُ وأخفضتُ طرفيّ نحو الكتاب مجدّدًا بلا مبالاة. اقتربتْ لمحادثتي واستأذنت في الجلوس بلطف وتهذيب. لم أرغب في إحراج امرأةٍ بطردها بفجاجة، كانت (لا) على طرف لساني فإذا بي أقول (لعم) فظنَّتْها (نعم) ثمّ جلسَتْ. أخبرتني إنّها تقرأ (عائدٌ لأبحث عنك) وأنّها ترى أنّ الّذي بين يديّ (نداء الملاك). أردت أن أخبرها أنّني قرأت ما بين يديها قبل أسبوعين أنذاك، ولم أفعل. سألتني إذا كنت قرأتُ للكاتب نفسه مسبقًا أعمالًا أخرى. أردت أن أجيبها بأنّني بصدد القراءة له للمرّة الرّابعة، ولم أفعل. أخبرتني أنّها تحبّ قراءة الأدب المترجم، وسألتني إذا كان ما أقرأ ممتعًا. أردت أن أجيب بإيجاب، ولم أفعل. تصفّحت روايتها سريعًا بحثًا عن صفحةٍ ما، وقرأت بهدوء: "لأنّ الفردانيّة مجرّد وهم. ولا مجال لأن نوفّر لأنفسنا الحظّ في تحقيق طمأنينة الذات إلا بالإسهام في تحقيق طمأنينة الآخر".

طفقَتْ تقوم من مكانها. أخذتُ أفكّر بينما كانت تدفع حسابها قبل المغادرة. تساءلتُ: من منّا يرغب في الاطمئنان؟ أسرعت نحو الباب في اللحظة الأخيرة متجاهلًا كتابي وقهوتي، أوقفتها بقولي سريعًا: مهلًا! قرأتُ (عائدٌ لأبحث عنك)، (نداء الملاك) هو الرابع، ما أزال في البداية، غيوم أسلوبه ممتع وشائق، وأظنّه يؤمن بالصدفة والقدر. فابتسمتْ، قالت إنّ اسمها رؤى، ثمّ غادرت.

شغلتني تلك الأسئلة عن البُكْمِ بالفعل، حتّى هذه اللّحظة. وزيادةً عليها أتساءل أيضًا، إنْ كان الأبكم أكثر سوءًا في حاله من منطوٍ على ذاته لا يفضّلُ الحديث كثيرًا، خاصّةً عندما يركّز في عمله، ولديه ما يفعله، أم كان الأقلّ.


تمّت. 11/10/2018م. 6:35ص.

الأحد، 30 سبتمبر 2018

لم أعنونه بعد.



ماذا يمكن أن يُكتَبَ في نصٍّ لم أعنونه بعد ولم أحدّد ماهيّته/جنسه الأدبيّ؟ أنا أيضًا لا أدري، كلّ ما أعرفه أنّ نصًّا كهذا قد يكون مائلًا للحماقة، يشبه الذكرى والفوضى، وقد يكون مليئًا بالأخطاء غير المحسوبة، وقد يكون نصًّا متفكّكًا، يُقال إنه بلا معنى، وأقول ذلك أيضًا، أو أتغاضى بصمت؛ لأنّ النصوص بعد منتصف الليل - وبعد يومٍ طويل، مبهجًا كان أو محزنًا، ثقيلًا أو خفيفًا - تكون معبّرةً في الحقيقة، عن لاوعيها الخاصّ، مهما بدا وعيها الخاصّ كذلك.

قبل يومٍ أو أكثر، خرجت مع فتيات العائلة، أثار تعجّبي أنّ إحداهن سألتني فجأة: هل أنتِ تشعرين بالسعادة؟ بالأنس؟ ولأنّ السؤال لم يكن بالحسبان: قلت: تعنين من أيّة ناحية؟ قالت: الآن، وبشكلٍ عام. إجابتي كانت غير مقصودة: لا أدري، لا أشعر بشيء تمامًا، لست سعيدة ولا حزينة، لكنّ الوضع يحتم أن أكون مبتهجة عمومًا.

هل كانت تسألني أم تسأل نفسها؟ أيّما كان الاختيار: إحدانا كان عليها أن تكون سعيدةً أكثر في تلك اللحظة. وبطريقةٍ ما لا أعتقد أنّها أنا. - لا أرجو ذلك على الأقل! -. وعلى أيّة حال، ربّما من الأفضل أن نستبدل سؤال ثنائيّة السعادة والحزن بالسؤال عن الرّاحة ومقدارها، لسببٍ يسيرٍ جدًّا؛ أنّ معاييرهما متشابكة، بل إنهما يمكن أن يأتيا مزدوجين معًا يطغى أحدهما على الآخر.

أيّما كان.. 
بالتفكير مجدّدًا، لاحظت أمرًا صغيرًا: القراءة تحلو عندما تفرّغ لها متسعًا من الوقت وسط الزّحام. عندما كنت في الجامعة أكثر الكتب إمتاعًا بالنسبة إليّ تلك التي قرأتها في الأوقات المقتطّعة: في طريق الذهاب والرجوع، ما بين المحاضرات أو قبلها بقليل، بعد الانتهاء من المذاكرة.. أوقات كهذه.

وقبل يومين أو أكثر، إحداهن في الدورة التدريبيّة للغة الإنجليزيّة كانت تقول: أنتِ مألوفة لديّ، كنت أراكِ في الجامعة في كليّة الآداب. قلت ثمّ سألتها: هذا طبيعيّ، ولكن متى كان ذلك تحديدًا؟ قالت: لا أدري أنا متخرّجة منذ عام ٢٠٠٥، قلت لها بابتسامة: أتعلمين أنّي من دفعة ٢٠١٣؟ تعجّبتْ من ذلك وهي تخبرني أنّها تشعر أنّها كانت تراني من قبل. 


أيّما كان..
بالتفكير مجدّدًا، أظنّ أنّه عليَّ التوقّف عن شرب القهوة - النسكافيه بشكلٍ أدقّ - مهما كان مقدار صداع رأسي، اللهمّ إلا إذا لزمت الضرورة، التي لن تكون قبل النوم حتمًا. 

وقبل ثلاثة أيام أو أكثر، سُئلت..

أيّما كان..

بالتفكير مجدّدًا.




الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

ما لم يبح به صديقٌ لفرويد.



ما لم يبح به صديقٌ لفرويد.


      صداع. أبحث عن زرّ المصباح لعلّي أجد الضوء، وأتحسّس موضع قلبي لأتأكّد إن كان موجودًا. لا يمكنني النوم، هل أحزم أمتعتي وأعود وانتهى الأمر؟ لقد جئت لهذه الجزيرة كي أستريح، والآن رأسي يكاد ينفجر. قبل أسبوعٍ فقط، صباحًا، خدشت وجهي في أثناء الحلاقة. سكبت القهوة على قميصي. تعثّر طفلي البالغ أربعة أعوامٍ بالسجادة فبكى طويلًا، مع أنّه لم يتأذّى. أخبرتني زوجتي أنّ بطارية السيارة تحتاج إلى شحن. الأشياء الفوضويّة والمُقلِقَة دفعتني أخيرًا للاستماع لنصيحة صديقٍ مقرّب جدًّا. بعد أن أصرّ صديقي الآخر – المقرّب فقط من دون "جدًّا" – على أن أزوره في منزله، ونجلس معًا على الأريكة نتحدّث طويلًا، وبعد محاولاته في أن يسألني فيم أفكّر، وإذا ما كنت أنام جيّدًا.
بعد ذلك كلّه، استمعت لنصيحة الآخر، الذي قال ببساطة ومن دون تعقيدٍ وتحليل: تبدو هزيلًا، وجهك الشاحب المكتئب يحتاج للرّاحة. سافر يا صديقي العزيز. على هذه الأرض لا توجد الأحلام!
سافر. – هكذا قال –، فسافرت! أو هربت بالأحرى، تاركًا صغيري الذي بكى على أمرٍ سخيفٍ مجدّدًا – هو يقول إنّ قبعته سقطت في الوحل –، وتاركًا زوجتي التي تخبرني أنّها بحاجةٍ إلى شاحنٍ جديدٍ لهاتفها.
ها أنا ذا على جزيرةٍ مظلمة، بشكلٍ أدقّ خافتة الأضواء، يمكنك أن ترى النور على أطرافها آتيًا من فوانيس بعيدة على امتداد البحر. يقولون إنّ الجوّ شاعريٌّ هكذا، وأقول: تنقصه الشموع العطريّة ربّما؛ لأنّي أشعر أنّ ملح البحر هنا مسمّم، والهواء مليءٌ به، وهو يضغط ويتكدّس على مواضع جراحي التي تسبّبت بها لنفسي بالأمس في يدي اليسرى ومرفقها – أنا أعسر بالمناسبة –، عندما كسرت المرآة، التي طالبني صاحب الفندق بحساب قيمتها – أكثر ممّا تستحقّ – مضافًا إلى الفاتورة.
عندما تنزّهت في الجزيرة للمرّة الأولى لم أجد شيئًا يُذكر. حسنًا، هناك جانب مريح واحد، وهو على الجهة الغربيّة من الجزيرة، ومع أنّ الأشجار فيه تبدو قليلةً ومتراصّة إلّا أنّه كان يجعلني أشعر بنبض قلبي من دون أن أتحسّس موضعه. وأكثر ما جذبني لذاك المكان أكبر شجرةٍ فيه، ليست عالية كثيرًا، وكانت أوراقها نصفها أخضر يكسوه رذاذ، لا أدري إن كان غبارًا؛ لأنّ الغبار لا يملك رائحةً خفيفةً ولا يهدّئ الأعصاب ولا يخفّف من ألم الجروح في يدي. وأنا أذكر كم كان بيتي ملوّثًا بالغبار وكان من المزعج لي ولزوجتي عمليّة تنظيفه، خاصةً ما يتراكم منه على المكتبة وفي الزوايا وعلى المروحة التي لم تعد تعمل منذ أكثر من أربعة أشهر ولم أقم بإصلاحها، تكاسلًا تارةً وانشغالًا تارةً أخرى!
أمّا النصف الآخر من الشجرة فلونه تفاحٌ أصفر فقد بريقه. لكنّ المدهش في هذه الشجرة أنّها الوحيدة التي عندما تقترب منها يمكن سماع أهازيج وموسيقى في حفيفها، وصوتًا من المجهول ينادي: "سامح، سامح، سامح".
في الحقيقة سامح اسمي. أنا هو سامح.
سامح الذي أنجبته أمّه وتركته عند أبيه وجدّته ورحلت، فسامح.
سامح الذي كان لا يقترب من الأرجوحة؛ لأنّ الأطفال شاجروه عندما ركبها أوّل مرّة وأسقطوه أرضًا، فسامح.
سامح الذي أخطأ الطبيب في تشخيصه، فاضطرّ للبس النظارات الطبيّة لتصحيح الرؤية أبد الدّهر، فسامح.
سامح الذي رفضته المرأة التي أحبّها؛ فقط لأنّه رسب في فصله الأخير في الجامعة وأدّبته بكلمة "فاشل"، فسامح.
سامح الذي لفّق عليه رئيس العمل أنّه لم يسلّم تقريرًا طلبه منه ثمّ فصله، فسامح.
و... هذا اسمي، الذي اختارته لي أمّي بالمناسبة.
من يدري، ربّما كنت أتخيّل! أنا رغم شعوري بالراحة هناك آثرت أن لا أذهب، كأنّي نفرت من هذه الشجرة عندما حاولت أن أتسلّقها فلم أستطع، ثمّ إنّي فررت خوفًا من أن أسقط وينكسر لي ضلعٌ أو فقرة، ولم يكن هناك من سُلّم.
على أيّة حال، في المرّة الثانية تجوّلت في الجزيرة. عندما تتّجه إلى الجانب الشماليّ.. مهلًا.. هل كان الشماليّ أم الشرقيّ؟ لا يهمّ، يوجد كوخان صغيران متجاوران بفاصل قد يبلغ المتر والنّصف أو المترين، أو قد تكون ثلاثة أمتار بأقصى حدّ. كلّ واحدٍ منهما أشبه بسجنٍ انفراديّ صغيرٍ ضيّق، وغير مرتفع. وكانا أيضًا مصنوعان من القشّ والجريد، ممّا يجعلهما أشبه بعريشين صغيرين. أحدهما الذي كان يساري بابه مغلق، فتحته بعد تردّد فإذا هو فارغ! والثاني لم يكن ذا بابٍ بالأصل، لكنّي لم أقترب منه. هذه البقعة من الجزيرة أتيت إليها مرارًا، على الرغم من وحشيتها، وعلى الرغم من أنّها بقعة بدت لي مظلمةً أكثر من غيرها، وعلى الرغم من أنّي كنت أضع يدي على صدري لئلا أفقد قلبي فجأة.
في إحدى المرات كنت أطوف حول الكوخين، كأنّي أبحث عن شيء..
رأيت امرأةً مسربلةً بالأبيض. رداء، عباءة، كفن، لا أدري أيّ الكلمات أقرب. من أعلاها إلى أخمص قدميها. كانت تغطي به وجهها أيضًا. اقتربت، شممت رائحة حبّي الأوّل، فاقتربت أكثر، مددت يدي أردت أن أرفع غطاءها هذا، فاستلّت يدي وجعلتني أتحسّس وجهها. كان خاليًا من الملامح، يشبه هذه الجزيرة، يكاد يكون جلدًا على عظم، وكان باردًا ومبلّلًا بالدّمع. تسلسلت الوحشة إلى قلبي، كنت أفكّر أنّني أمام شبح، ومع ذلك انتابني عطفٌ شديد، شعورٌ مزدوجٌ من النّفور غلب عليه الانتماء، ولأخفّف من قسوتي وأتسامح، عانقتها، شاركتها ملامحي، اتّحدنا معًا، تقاسمنا وجهَيِ الموت والحياة نصفًا بنصف. وفي اليوم التالي رأيتها قد خلعت الرداء ولكنها ارتدت فستانًا هادئًا – أبيض اللون بالطبع! – وكانت تشبه حبّي الأوّل لكنّها أقرب إلى أن تكون نسخةً أنثويّةً منّي.
الآن أنا في الفندق، أشعر بالقلق والتوتّر والحذر، ورأسي يؤلمني لأنّي لا أستطيع النوم. أرجو أن لا تأتي طارقةً الباب. بالأمس، بعد جلسةٍ مطوّلةٍ معها، دخلنا الكوخ الذي بلا باب. كانت فيه مرآة دائريّة رأيت نفسي فيها، فأصابني الرّعب. غادرت سريعًا. ما إن عدت إلى غرفتي حتّى كسرت المرآة قبل أن أتأمّل نفسي فيها.
أريد العودة إلى الأرض التي لا توجد فيها الأحلام.

تمّت.
28/8/2018م.