الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

نصٌّ غير مُفتَرَضٍ على الإطلاق.



من المفترض أنّني كنت سأكتب شيئًا آخر. نصف ساعةٍ مضت دون أن أخطّ حرفًا واحدًا، انكببت على ذاتي لأستنهض ذاتي، لم تبلغ المحاولات حدَّ الانتماء إلى فكرةٍ ما، أسردها وأبوح بها، ولا مِن رؤى خياليّةٍ تعينني عليها، والخروج من واقعي كالدّوس على شوكٍ دون الشّعور بالألم، ولا مِن وجدانٍ أختالُ عليه لينسج مسرحيّةً ما لا يُمثِّلها أيّ مُهرِّجٍ ولا يتفنّنها ماهر. أفكاري التي في رأسي مُتَشَنِّجَةٌ، كجسدّي الذي يتشنّج منكمشًا بأدنى مؤشِّرٍ لما يؤذيه.


أتذكّر أنّي فتحت جهازي المحمول، ولديّ ثلاثة خيارات، لا أتذكّر إلا واحدًا منها، ذلك الذي أجّلته؛ لأنّه يحتوي قصّةً أخرى، تحدّثت عنها إحداهن، لم يؤذَن لي بكتابتها بعد. أمّا الخياران الآخران، فلا أدري إن كان هناك ما مسحهما من ذاكرتي فور وصولي لجهازي، ولعلّ زرّ التّشغيل هو زرّ النّسيان، ويا ليته كذلك! كنت ضغطت عليه مرّةً تلو الأخرى.



لكن ما الذي أريد نسيانه؟ أما نسيت معظم الأشياء؟ ذاكرتي متآكلة، لا ينفع معها تناول الجوز صباحًا ولا السّبع من الزّبيب، لا أستطيع تذكّر ما كنت قد نويت كتابته، كأنّه تشفَّر، كالحلم الخرافيّ المتّلاشي فورَ الاستيقاظ. أما كان من الأجدر تسجيله على الورق؛ ليبقى مُخلَّدًا؟ لكنّي لو عمدت إلى تسجيل كلّ أفكاري، حقيقةً، بذهني المبتلَى بضوضائه، وتسلّط تحليلاته، لكنت أفنيت عمري وسط الدّفاتر دون أن أنتهي.



وسط الفراغ، وضعتُ يديّ المتشابكتين في حيرةٍ، أغطّي بهما ما تسمّيه بعض الثّقافات الأخرى بشاكرا التّاج، يُعتقد أنّها مكمن الوعي الكوني والاتّصالات بالموجودات وبالإله، فإن كانت مفرطة التّفعيل - أو العكس - فإنّها تسبب تشويشًا، وصداعًا. مرّت نصف ساعة، أمام الجهاز، بين ذكرياتي وأفكاري. لا شيء، الفراغ وحده، الفراغ الذي يعني مزيدًا من إيجاد الأشياء الأسوأ غالبًا للتّفكير بها وتذكّرها.



الغارق يتمسّك بقشّة، وأنا من يتمسّك بتسريباته الذّهنيّة، ووسط الفراغ، كان تركيزي يلتمسُ الوصول لكائنٍ يشتاق إليه، وآخر من فوق المشهد يستمع إليه من بعيدٍ، لطالما كان التّفكير به، وحده، الأوّل الذي يمتاز بحضوره في عالمي الدّاخليّ الموازي - يخفّف عني ثقل الحياة ومواجعها. يحدث الجدل المعتاد: لم يعد هنا منه واقعًا، نحن نُمارس تعويضًا ما عن الغياب، كثيفَ الذّكريات، صريحَ اللّهجة، مزدانًا بوهم السّكينة، مهيِّجًا للزَّفرة.



العين تحكي ولو صمت كلُّ الجَسَد. كلا، لا أستطيع أن أتذكّر كلَّ شيء، ولا يمكنني الكتابة عن كلّ شيء، فذاكرتي تالفة، وأنا لن أعود بها أكثر للوراء، بعد امتناني لقرب الشّفاء، ولكنَّ الوراء يلحق بي، ولا يمكنني إهمال الوخز الذي أشعر به في رقبتي من الخلف من شبك أظافره، يخنقني، كجاثومٍ في حالة اليقظة، يقبض على عنقي، يجعلني صامتةً، تتراكم الكلمات. في كوابيس الجاثوم التي سبق أن راودتني في النّوم - أنا أكثر مقاومة، أنادي بأسماء وشخصيّات، وأحاول أن أنطق بآيات، وأنا أدرك أنّ هذا مجرّد كابوس.


أمّا الآن، فأغمض عينيّ وأُرجِعُ رأسي إلى الخلف، أُبعِدُ هذا الشّبح، أزيح يديه عنّي، أدلّك ما ينعتونه في تلك الثّقافة بشاكرا الحلق، أتذكّر اطّلاعي عليها دون الإيمان بها، أستخدمها فقط كفكرةٍ خطرت لي، لقد انتهى كلّ شيء. هكذا إذن، مضت النّصف ساعة.. أبدأ بالسّطر الأوّل فالثّاني، أُنتِجُ هذا النّص الذي لم يكن مفترضًا على الإطلاق.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق