السبت، 16 أغسطس 2025

عثرت على مِلَفٍّ قديمٍ في حاسوبي، كان مُعنونًا بالرقم (12)، ولا أعلم ما سبب ذلك تحديدًا، لكنّي واثقةٌ أنّني كنت أُرَمِّزُ بعض ملفاتي ببعض الرموز، لئلا يراها أحدٌ ويساوره الفضول نحوها.

ذاكرتي لا تحتفظ شيئًا من تلك الفترة فيما يبدو، حتّى أنّي نسيت هذا المِلَفَّ مُهملًا، وعندما رأيت الرّقم، ساورني الفضول نحوه فعلًا. 

فتحته، رأيتُ فيه نصًّا، وأعتقد أنّي نشرتُ صورةً للنصّ مسبقًا، أو  ربّما جزءًا منه. كنتُ أتحدّث فيه عن مشاعِرَ عديدةٍ، وأفكارٍ ما.

لم أقرأه كلّه. 
مع هذا أودّ قراءته بجديّةٍ أكبر فعلّا. هناك شيءٌ ما استيقظ بداخلي، لأقول شيئًا، لأعبّر، لأتحدّث - أكثر من اللازم حتّى- 
ولأكتب. 

هذه المرّة أكتب لنفسي، لا إلى أحد. لأنّ الجميع أصبحوا لا يفهمون كما يجب كلماتي، وبات من المزعج أن يفسّرها هذا أو ذاك بحسب تجربته الشّخصيّة الذاتية. لم أعد بحاجةٍ إلى النّصائح الرّتيبة، أنا بحاجةٍ إلى شيءٍ غير قليل من التّعاطف لقضيّتي الوجوديّة. أنا بحاجةٍ إلى ذاتي، والذّات الأخرى التي تشابهني والتي لا أعثر عليها –  أكثرَ من أيّ شيءٍ آخر. 


هل تكتبين لنفسكِ حقًّا، أم أن الحقيقة هي أنّكِ ترغبين في أن يفهمَ أحدٌ ما تكتبين، أن يتعاطف مع الكتابة كفعلٍ "وُجوديّ"، جزءٌ من تلك القضيّة الوجوديّة التي حللتها بدلًا منكِ مع الوقت، وعثرتُ على الذاتِ التي تبحثين عنها أيضًا، حصلتُ على كلٍّ شيءٍ رغبتِ فيه، حتّى عجزتُ لمرّاتٍ في الحفاظِ عليه.

كم أنتِ وحيدة وقاسية! تقولين: "كما يجب" وكأنّ هناك من "يجبُ" عليهِ أن يفهم كلماتكِ؟ الناس لا تفهم لأنها تعتبر ذلك واجبًا أصلًا. إنّما نحن.. الذين لم نكن نفهم أنفسنا أيضًا.. كما يجب، لنقلها هكذا بحدِّ تعبيركِ المحجف في حقٍّ كلِّ من "حاول" فهمنا، بما فيهم أنا.


لم يتغيّر ديسمبر، هذا هو كما عهدته، يجعلني أكتب وأتحدّث، يترك فيَّ المشاعر؛ لأقابلها بالانهزام غدًا، عندما تُشرِقُ الشّمس. لم يُدرك أحدٌ كم كان قلبي باردًا، وكم كان من الصّعب البحث عن الشّجر الأخضر. لم يدرك أحدٌ كم كنت أشعر بالضّياع، والخوف الرّهيب؛ جرّاء أزمة الثّقة المعهودة. لم يدركني أحدٌ في الوقت الذي مددت فيه يدي؛ لأنّه لم يجدني أغرق، لم أُظهر على وجهي سيماء الضّياع أو الخوف أو الغرق أو شبه ذلك. هكذا كنت، مجرّد شخصٍ لا يعرف أحدٌ غير ابتسامته، مجرّد شخصٍ يعبر من خلال أرواح الآخرين، وبالكاد يلتفت إلى ظلّه، مجرّد شخصٍ لا يعرف طريقه ويتوهّم أنه فيه، مجرّد شخصٍ يسعى إلى النّاس، ولا يعرفهم كما يلزم. حسبي فقط أنّني إنسان، ولذا لا بأسَ بأن أعيش مشاعري كما يجب، أو ليس كما يجب أيضًا.
 

إننا الآن في شهر أغسطس من عام 2025، مرّت على هذه الكتابة أعوام، مرّ عليّ أكثر من ديسمبر، منذ أن كتبت هذا النصّ في 25 يونيو 2018، لم يعد هناك موعدٌ محدّدٌ للكتابة، ولا للمشاعر أيضًا، أي شيءٍ بإمكانه أن يحرّك هذه الأمواج، أهونها عليَّ موجة السعادة، وألطفها موجة الحبّ النقيّ، وأثقلها هو القلق الذي بات يسمّم جسدي وروحي معًا. نعم، ستشرق الشمس، وأيّ شمس؟

لم يدركنا أحد، لأننا لم نطلب المساعدة، ونمارس التعفّف أو الكبرياء عن أن نمدّ يد الحاجة والطّلب المباشر، نعتقد أنّ هناك من سيبلي ذلك دون أن نخبره، فنعامل الآخرين على أنّهم "نحن". ما أزال أرتدي هذه الأقنعة البالية، وأمتلك بعض الأسباب الواهية، و...

لا أستطيع أن أكمل سلسلة أفكاري، أراكِ مجدّدًا تستخدمين تعبيرًا آخر "كما يلزم" و"كما يجب" و"ليس كما يجب"، ولا أعرف لماذا هذه النظرة المثالية أو المعياريّة، إنّكِ قاسيةٌ على نفسكِ، وأيضًا على الآخرين. أتعلمين؟ هذه النظرة لنفسكِ على أنّكِ لست كافية - مهما عرفتِ وشعرتِ وفعلتِ - هي أساس الخراب، وموضع الداء، عيشُ المشاعر يكون "كما هي" وليس "كما يجب"، وإلا فلن يعجيكِ شيء. 

على كلّ حال، ما تزال ابتسامتكِ جميلة، وروحكِ خفيفة، بل حتّى ظلّكِ الذي تقولين أنّه "بالكاد يُلتفت إليه"، فمن يعلم.. ربّما هناك من يتمنى أن يرى هذا الظلّ ويتفيَّأ براحته. أما عن الشجر الأخضر، فالكثير منه، قد لا نراه أحيانًا ولكنه حتمًا له وجود، كلّه من الرّب، وبعضه من الوجود. 

الضياع، الخوف، الغرق، كنتِ في الماضي قد جرّبته، وأنا كذلك في الحاضر، وربّما بشكلٍ أكثر ضغطًا أو لنقل انفجارًا، لكنني لم أيأس بعد، طرق اليأس طريقي، وباب قلبي، وانثرت علاماته هنا وهناك، ودلّت على رفض وجوده الدلائل، إنّه خصمٌ عنيدٌ مستبدٌ متقهقر، وكثيرًا ما جاهدناه، وهل تعلمين؟ أعتقد أنّ هناك من شارك في هذه المعركة، أشعر بطريقةٍ ما أنّه يفعل، أو يودّ ان يفعل، رغم عدم سماحي غالبًا بأن يشاركني أحدٌ معاركي الخاصّة، لا في الانتصار ولا في الهزيمة، وهو طبعٌ حادٌّ فيما يبدو، أو غير مفهوم.

القلب البارد؟ 





- لن يتم اكتمال هذا النصّ.


السبت، 26 يوليو 2025

مجرّد حُلم..

 قبل بضعة أيّام، كنت نائمةً ظهرًا حتّى العصر. باغتني حلمٌ من تللك الأحلام التي يستخدمها العقل كطريقةٍ للتفريغ، لكنّ البوابة هذه المرّة لم تكن في رأسي وحسب. بعدما انتهى الحلم، كانت أجزاؤه مبعثرة، مشوَّشة، فيما عدا اللحظة الأخيرة، التي استيقظت منها، لكن هذه المرّة...

كلا، لم يكن قلبي يدقّ سريعًا، هذه حالةٌ تخصّ الكوابيس التي كنت أراها سابقًا، ولست أدرك فهمها حتّى الآن، لكنّني كنت أستغرق دقائق من الجمود عند الاستيقاظ حتّى يهدأ النبض المنفزع. ولقد شككت بأمر قلبي على كلّ حال، صادفت بعض المواقف الثقيلة، وما إن يبلغ الخوف مداه أشعر بأنّني لست على ما يُرام، وخصوصًا أنّ موقع قلبي يؤلمني وذراعي اليسرى مشدودة. وهكذا اختلقت وهمًا بأن هذه الأحلام، والمواقف، وكلّ ما كان وسيكون، سوف تجعل هذا القلب متعلّلًا، وقد يضعف تدريجيًّا مثلما كان قلب جدّتي -رحمها الله-. لذا هممت بأن أحجز موعدًا بالمركز، فأُجري لي تخطيطٌ للقلب.

لم يكن الأمر خطيرًا، والنتائج جيّدة. والمضحك المبكي أنّه تمّ تحويلي إلى القسم الاختصاصي بالقلب بالسّلمانيّة احتياطًا، وهو القسم نفسه الذي جثمت رجلاي عندما كدت أدخله سهوًا بدلًا من قسم الولادة. تمّ إعطائي موعدًا كان من المقرّر أن يكون خلال شهر يوليو، هذا، ولم أخبر أحدًا.

ولم أذهب، لم أجرؤ. تهرّبت. قلت لنفسي: لا يوجد شيء، كانت مجرّد حالة توتّر. في الحقيقة، هذا السرّ أخفيته عن الجميع من أهلي ومعارفي، وها أنا أطلعكم عليه وسط كتابةٍ طويلةٍ أجتهدُ في إنهائها، وفي جوفها أيضًا استعدادٌ ما لأكون روائيّةً يومًا ما، وعندما يحدث ذلك، أخشى أن يأتيني الأشخاص ممّن قالوا لي بأنّي أملك الموهبة، ويعتقدون أنّهم السّبب الوحيد في تشجيعي. وهناك أنواع أخرى من النّاس أخشى أن يحضروا، ولكنّي لا أذكرهم اختصارًا.

هل نسيتم الموضوع الأساس وسط كل هذه الثرثرة المزعجة للبعض، التي قد تقتحم صفحاتهم بالخطأ؟ كنت أتحدّث عن الحلم الذي رأيته، أقصد اللحظة الأخيرة منه تحديدًا، ويبدو أنّ هناك من لم يستوعب هذه المماطلة، ولم يُنهِ هذا النّص، الذي هو ليس قصّةً كاملةً أيضًا، بل قصّةً قصيرة، بحسب معايير النقد الأدبي. وقد يقفز للتغريدة الأخيرة لعلّه يغشّ النهاية. أنا أماطل؛ لأنّني لست مستعدة للحديث، ولكنّني أحاول التّحدّث وكلّ هذا بسبب نهاية هذا الحلم البغيض، بالرغم من لحظة الاحتواء الدراميّة التي حظيت بها، ولو في أحلامي! بينما كنت أبكي، ولم أكن وحيدةً وقتها عمومًا، وكنت أعرف من أبكي لديه! بكيت بكاءً صامتًا، وكنت أريد الكلام، وأتعمّد كتمانه، ولا أقول شيئًا.

عندما استيقظت، كما قلت، لم يكن قلبي مضطربًا، أو مفزوعًا يخفق، بالمقابل، كنت أتنفّس بصعوبة، أو بصيغة أخفّ وطئًا: أحاول التنفّس بعمق، لكن ما لم أستطع نسيانه هو صمتي، وليس بكائي نفسه، فقد عرفت بالنهاية أنّها محاولات طبيعيّة ليكون للعقل مُتَنَفَّس، فهناك شيءٌ ما تم إخراجه من رأسي، أو إدخاله قلبي ربما، شيء من الاطمئنان، أو ما شابه ذلك، ولو في أحلامي! مع شخصيّتي التي لا أستبعد أن يكون بطل قصّتها القادم هو "القلق"، عوضًا عن بطلها الذي يترقّبه البعض أكثر ممّا أترقّبه أنا، ولا أعرف حقًّا كيف سأجمع بين البطلين في حياةٍ واحدة، دون أن أخترع دراما صاخبة أو بليدة.

قلت إنّني لم أنسَ صمتي، ما يزال يزعجني ويجعلني أفكّر، ما لم أستطع قوله، الكتمان الذي بدأ رأسي ينفر منه ربّما، وكذلك قلبي الصغير، فأعلنا تمرّدًا صغيرًا خلال النوم، أو ربّما "وخزة صغيرة" لكي أتوقَف عن ممارسته، كما لو كان طبعًا وقائيًّا إيجابيًّا، وأردّ عليهما: ماذا أفعل؟ أنتما جزءٌ منّي لذا عليكما التحمّل قليلًا، فأنا لا أملك غيركما، وأعلم الصّمت يسبّب ضغطًا عليكما، ولا أجازف بالكلام، فقد يخرجكما عن السّيطرة والضّبط، ولا أعلم ما يمكن أن يحدث حقًّا. لقد حاولنا نحن الثلاثة معًا سابقًا، وماذا حدث؟ أنشأنا قصصًا قصيرةً بعد منتصف الليل، دون ذكر ما يزعجنا ويحزننا فعلًا، وهذا يكفي…

الخميس، 12 يونيو 2025

أفكارٌ ومعانٍ.

 

12 -  يونيو - 2025 


قد تبدو أفكارنا قبل أن نستغرق في النّوم مهولة، أو مخطئة، أو مفرطة الحساسيّة، لكنّها مع ذلك، أفكارٌ هاربةٌ من المكان الذي نحبسها فيه، وقد تكون بالفعل أفكارًا أكثر صدقًا، لا مجاملِةٌ لذاتٍ، ولا معتبرةٌ لفهمٍ، ولا مباليةٌ لصدٍّ عقلٍ حازم.
أشعر بالنّعاس، أفكّر في واحدةٍ أو اثنتين…


أفكّر في أنّ الأشياء بمعناها الخاصّ المرتبط بنا، تبدو أكثر ثباتًا وحُسنًا، من تلك الأشياء التي فقدنا معانيها، حتى لو كان الآخرون ينظرون إليها بأنها تحمل قيمةً لا تُقدَّر. - وعلى أيّة حالٍ، نشكر محاولتهم إنقاذ المعنى، التي تفلح مرَّةً وتفشل أخرى -.


أفكّر في الأشياء…
الأشياء التي ربّما فقدتها، قبل أن يضمحل معناها، وقبل أن تنتهي معانيها، ولم تتبدّل، وأتساءل…بأيٍّ نوع حبرٍ مهما غسلتها، لا يزول، هي كُتِبَت؟ وكيف تثبت وجودها -مثل هذه الأشياء- حتّى إذا لم تُوجَد؟ ومن أين لها القدرة على حفظ المعنى ورسوخه متأصّلا، وهي مفقودة؟


مقابلًا، أنظر لتلك الأشياء التي كسبتها، أو أكسبها يوميًّا، تثمّنها الأنظار وتسعّرها، لكنّها لا تُجدي نفعًا في تحرير قلبٍ، أو في دفع فكرة، أو في إلهام قريحة. لا شيء من ذلك، كسبٌ يوميٌّ فارغ المعنى، أو مفقود المعنى، ليس له وجودٌ حقيقيّ، في الوقت الذي نحن بحاجةٍ فيه إلى أشياء أعمق.

الثلاثاء، 27 مايو 2025

ليلى




كعادتكِ المفرطة في القلق، تكدّسين هذه الأحمال في حقيبة فوق كاهلك، ثم تسيرين بشموخ ملكةٍ عائدةٍ بالنّصر، لكن مات أحبّاؤها في المعركة. أغمضي جفنيكِ يا ليلى، ولا تسبليها دموعًا، وليأخذ النوم مسراه نحو أحلامكِ الصّغيرة. وغدًا في الصّباح نرحل، أنا أحمل الحقيبة، وأنتِ تحملين قلبي.

كان هناك عقدٌ معهود، لا يُنكَر بغضّكِ لطرفكِ حسب المشيئة. اتّفقنا عليه منذ الأزل، قبل أن نجيء إلى الحياة مغتَربَين. تكاتفت أرواحنا وقتها، ومدّت الأيدي والأذرع، وجرى حتمًا. كان ينصّ على أن أتصدّى لحزنك، وتمنحيني السّعادة، وهنا وجه المفارقة، لكلٍّ منّا دورٌ مختلفٌ، ولن تحيدي عنه.