ذاكرتي لا تحتفظ شيئًا من تلك الفترة فيما يبدو، حتّى أنّي نسيت هذا المِلَفَّ مُهملًا، وعندما رأيت الرّقم، ساورني الفضول نحوه فعلًا.
فتحته، رأيتُ فيه نصًّا، وأعتقد أنّي نشرتُ صورةً للنصّ مسبقًا، أو ربّما جزءًا منه. كنتُ أتحدّث فيه عن مشاعِرَ عديدةٍ، وأفكارٍ ما.
لم أقرأه كلّه.
مع هذا أودّ قراءته بجديّةٍ أكبر فعلّا. هناك شيءٌ ما استيقظ بداخلي، لأقول شيئًا، لأعبّر، لأتحدّث - أكثر من اللازم حتّى-
ولأكتب.
هذه
المرّة أكتب لنفسي، لا إلى أحد. لأنّ الجميع أصبحوا لا يفهمون كما يجب كلماتي،
وبات من المزعج أن يفسّرها هذا أو ذاك بحسب تجربته الشّخصيّة الذاتية. لم أعد
بحاجةٍ إلى النّصائح الرّتيبة، أنا بحاجةٍ إلى شيءٍ غير قليل من التّعاطف لقضيّتي
الوجوديّة. أنا بحاجةٍ إلى ذاتي، والذّات الأخرى التي تشابهني والتي لا أعثر عليها
– أكثرَ من أيّ شيءٍ آخر.
هل تكتبين لنفسكِ حقًّا، أم أن الحقيقة هي أنّكِ ترغبين في أن يفهمَ أحدٌ ما تكتبين، أن يتعاطف مع الكتابة كفعلٍ "وُجوديّ"، جزءٌ من تلك القضيّة الوجوديّة التي حللتها بدلًا منكِ مع الوقت، وعثرتُ على الذاتِ التي تبحثين عنها أيضًا، حصلتُ على كلٍّ شيءٍ رغبتِ فيه، حتّى عجزتُ لمرّاتٍ في الحفاظِ عليه.
كم أنتِ وحيدة وقاسية! تقولين: "كما يجب" وكأنّ هناك من "يجبُ" عليهِ أن يفهم كلماتكِ؟ الناس لا تفهم لأنها تعتبر ذلك واجبًا أصلًا. إنّما نحن.. الذين لم نكن نفهم أنفسنا أيضًا.. كما يجب، لنقلها هكذا بحدِّ تعبيركِ المحجف في حقٍّ كلِّ من "حاول" فهمنا، بما فيهم أنا.
لم
يتغيّر ديسمبر، هذا هو كما عهدته، يجعلني أكتب وأتحدّث، يترك فيَّ المشاعر؛
لأقابلها بالانهزام غدًا، عندما تُشرِقُ الشّمس. لم يُدرك أحدٌ كم كان قلبي
باردًا، وكم كان من الصّعب البحث عن الشّجر الأخضر. لم يدرك أحدٌ كم كنت أشعر
بالضّياع، والخوف الرّهيب؛ جرّاء أزمة الثّقة المعهودة. لم يدركني أحدٌ في الوقت
الذي مددت فيه يدي؛ لأنّه لم يجدني أغرق، لم أُظهر على وجهي سيماء الضّياع أو
الخوف أو الغرق أو شبه ذلك. هكذا كنت، مجرّد شخصٍ لا يعرف أحدٌ غير ابتسامته،
مجرّد شخصٍ يعبر من خلال أرواح الآخرين، وبالكاد يلتفت إلى ظلّه، مجرّد شخصٍ لا
يعرف طريقه ويتوهّم أنه فيه، مجرّد شخصٍ يسعى إلى النّاس، ولا يعرفهم كما يلزم.
حسبي فقط أنّني إنسان، ولذا لا بأسَ بأن أعيش مشاعري كما يجب، أو ليس كما يجب
أيضًا.
إننا الآن في شهر أغسطس من عام 2025، مرّت على هذه الكتابة أعوام، مرّ عليّ أكثر من ديسمبر، منذ أن كتبت هذا النصّ في 25 يونيو 2018، لم يعد هناك موعدٌ محدّدٌ للكتابة، ولا للمشاعر أيضًا، أي شيءٍ بإمكانه أن يحرّك هذه الأمواج، أهونها عليَّ موجة السعادة، وألطفها موجة الحبّ النقيّ، وأثقلها هو القلق الذي بات يسمّم جسدي وروحي معًا. نعم، ستشرق الشمس، وأيّ شمس؟
لم يدركنا أحد، لأننا لم نطلب المساعدة، ونمارس التعفّف أو الكبرياء عن أن نمدّ يد الحاجة والطّلب المباشر، نعتقد أنّ هناك من سيبلي ذلك دون أن نخبره، فنعامل الآخرين على أنّهم "نحن". ما أزال أرتدي هذه الأقنعة البالية، وأمتلك بعض الأسباب الواهية، و...
لا أستطيع أن أكمل سلسلة أفكاري، أراكِ مجدّدًا تستخدمين تعبيرًا آخر "كما يلزم" و"كما يجب" و"ليس كما يجب"، ولا أعرف لماذا هذه النظرة المثالية أو المعياريّة، إنّكِ قاسيةٌ على نفسكِ، وأيضًا على الآخرين. أتعلمين؟ هذه النظرة لنفسكِ على أنّكِ لست كافية - مهما عرفتِ وشعرتِ وفعلتِ - هي أساس الخراب، وموضع الداء، عيشُ المشاعر يكون "كما هي" وليس "كما يجب"، وإلا فلن يعجيكِ شيء.
على كلّ حال، ما تزال ابتسامتكِ جميلة، وروحكِ خفيفة، بل حتّى ظلّكِ الذي تقولين أنّه "بالكاد يُلتفت إليه"، فمن يعلم.. ربّما هناك من يتمنى أن يرى هذا الظلّ ويتفيَّأ براحته. أما عن الشجر الأخضر، فالكثير منه، قد لا نراه أحيانًا ولكنه حتمًا له وجود، كلّه من الرّب، وبعضه من الوجود.
الضياع، الخوف، الغرق، كنتِ في الماضي قد جرّبته، وأنا كذلك في الحاضر، وربّما بشكلٍ أكثر ضغطًا أو لنقل انفجارًا، لكنني لم أيأس بعد، طرق اليأس طريقي، وباب قلبي، وانثرت علاماته هنا وهناك، ودلّت على رفض وجوده الدلائل، إنّه خصمٌ عنيدٌ مستبدٌ متقهقر، وكثيرًا ما جاهدناه، وهل تعلمين؟ أعتقد أنّ هناك من شارك في هذه المعركة، أشعر بطريقةٍ ما أنّه يفعل، أو يودّ ان يفعل، رغم عدم سماحي غالبًا بأن يشاركني أحدٌ معاركي الخاصّة، لا في الانتصار ولا في الهزيمة، وهو طبعٌ حادٌّ فيما يبدو، أو غير مفهوم.
القلب البارد؟
- لن يتم اكتمال هذا النصّ.