الثلاثاء، 28 يوليو 2026

ألا مِنْ عَوْدٍ إليكِ؟


قبل أيّام، كان لي حُلْمٌ من أحلام الضّحى المتخبّطة. رأيتُ أنّني وأختي في زيارةٍ للسيّدة زينب - عليها السّلام -، ولا أتذكّر إلا بعض اللّقطات دون التّفاصيل، حتّى أنّي لم آخذ حُلمي على محمل الرؤية الصّحيحة، ولم أتحدّث مع أختي، التي كانت قد وقعت في الحلم نفسه، أبدًا، عن فحواه. 

لكن بالأخذ ببعض المعطيات، لقد كانت زيارتي الأولى للسيّدة زينب - عليها السّلام - في هذا الشّهر: يوليو عام 2022، ثمّ العام الذي بعده وُفقت لزيارة أخويها وأبيها، وبعدها زرتها بالتّصادف مع زيارة الأربعين العام الذي بعده، أيّ في أغسطس 2024.




ربّما كان حلمي مبتكرًا من عقلي، الذي فكّر لوهلةٍ قبلًا أنّ هذا العام، كان من المفترض أن يكون لزيارة السيّدة زينب - عليها السّلام - قياسًا على نبضة (ما بين عامين)، في رُكنِ الحُزن المغترب، حيث سَكينَة الضّريح غير المبالي بالضّوضاء والشّغب من حوله، وحيث ألتمسُ دفئًا أموميًّا في مَقامِها. 

أخذتُ تذكارًا من متجر تذكارات الحرم في زيارتي الأولى: دَفْترًا بصفحاتٍ سوداء، مع قلمٍ بلونٍ أبيض، غلافهُ شجرة كالمنحوتة ما يزال غير مستخدمٍ إلا من عبارةٍ واحدةٍ كتبتها ذات يوم:




وما يزال الصوت المسجّل لخضر عبّاس الذي صدح به المضيف الذي يقع أسفل فندقنا - يوقع الذكريات مطرًا في قلبي: "كل خطوة نمشيها.. ما نستعزّ بيها. "، "وانعقدت النيّة.. للأربعينيّة"، ولقد أصبح هذا الصّوت شكلٌ من أشكال التوجُّهِ الـغَيُورِ المُحبَّب إلى سيادتها. 

أمّا الذي خلفته من الحرم، فهو القليل، ممّا كَرِهَ لَنا إخوتنا أن نُقدِّسَهُ ابتداعًا بزعمهم، ولكنَّه سيظلُّ موسومًا هكذا عندنا حتّى السّاعة: قطعةُ حجرٍ من مَرْمَرِ الـحَرَم تمّ صياغتها على شكل ميداليّة، كانت من زيارتي الأخيرة، وقِطْعَةُ قِماشٍ خضراء ناعِمَة مرّرتها على الضّريح، كما مرّت على بعض أضرحة الـعِراقِ قبلها، وهي بمثابة الرّائحة الباقية من الأحبّةِ عندي،  ورصيدٌ بمبلغٍ تبرّعت فيه لأعمال الخير التّابعة للحرم.


لا يمكن للمرّة الأولى أن تشبه الثّانية، هدأ قلبي اللَّجُوجُ من نَورانيّتها، واحتضنت جوارحي بطمأنينةٍ، بينما كُنت أظنّ أنّني سأقف وقفةً تمتزج بين المهابة والأسى. في وداعي الأوّل لها، خرجتُ فجرًا، كنت أخطو خطواتي وأنا يرادوني نوعٌ من الإلهام: ستعودين.. ستعودين قريبًا. وبالفعل، لم يمضِ سوى عامٍ حتّى حطّت ركابي مُجدّدًا. 




أمّا في الزّيارة الثّانية، فكانت الدّموع تتحدّث أكثر مكان الكلام، وكان الدّعاء وحده من يعتذر ويلمّ فُرَصَهُ. بينما كان هناك شعور غامضٍ في آخر زيارةٍ لها، كنت شديدة الابتئاس، أريد العودة سريعًا إلى البحرين، وأشعر بخوفٍ مُبْهَم، عكسَ المعتاد عندما تكون في مثل هذه المقامات، ولقد وقفت لمدّةٍ طويلةٍ على الباب الأبعد، أملأ عينيّ من ناظريها، سارِحَةً أحاول الوُلوجَ إلى عالمِها، وكمن يرتقب من سيّدته أن تخبره شيئًا ما.

لكنّي خرجت في النهاية، وحتّى رجوعي على امتداد أيّام، بقي هناك شيءٌ منها، بقيت بحوالي أسبوعين وأنا أعتقد أنّني ما أزال في حراستها وإحاطتها، وهي حولي. والجدير بالذّكر، أنّني في المرّتين لم أنوِ زيارتها فعليًّا، كنت في المرّتين أعزم على زيارة الرّضا - عليه السّلام - فلا يكون، ثمّ أفكّر بزيارة العراق، فلا يكون أيضًا، فتتيسَّر لي زيارتها بعد ذاك.. والشيء الذي أخفيته في نفسي باستمرار: أنّني كنت أرغب في الحصول على شيءٍ من المواساة لحياتي الشّخصيّة منهم، فإذا بي أُؤخَذُ حيث تُعلِّمني وتستلهمني الصَّبر.




بعد عودتي الأخيرة، مرّت أيّام وجيزة فقط حتّى أَغلقت الشّام بوابتها في وجهنا، تجرّعت نوعًا من الفرح الكئيب المجروح: لقد اختارتني من بين آخر المودّعين، فمن كان فينا يودّع الآخر؟ فما أقسى الفِراق! لم نطلب يومًا تلك الأرض التي سقطت فيها الدّموم والدّموع - بذاتها، ولا حُبًّا فيها، لم يكن لها أيّ صدًى عندنا إلا امتداد المأساة: رأس إمامٍ مقطوعٍ مرفوع ورثَ وجه جدّه النبيّ - صلوات الله عليه وعلى آله - ، وإمام تالٍ له أورثنا منهج البكاء والنّحيب، وفجيعة طفلةٍ تمزّقت أوردة قلبها شجنًا وهولًا، وأيدٍ مقيّدةٌ جُرَّت بالشّماتة والسِّياط.


كربلاء الحزن الأبديّ، أمّا حَرَمُ زينب فهو الصّبر السّرمدي.

فخُذينا إليكِ...
صلّى الله عليكِ وعلى جدِّكِ وآلهِ الطّيبين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق