الجمعة، 28 أغسطس 2026

مجرّد طاولة



جلس النّجار وأمامه طاولةٌ خشبيّةٌ مستطيلةٌ قديمة، أتى بها أحدهم قبل يومين، يخبره أنّه يريد منه أن يصلحها ويعيدها غضّةً، مبعوثةً للحياة، كعروسٍ مرتبكةٍ ستزفّ قريبًا بين يديها باقة زهرٍ طبيعيٍّ ستوضع في آنيةٍ ما فوق طاولةٍ أخرى، إلى أن تجفّ بدورها. 


تأمّل النّجار الطاولة تأمّلًا فاحصًا، تأمّلًا يغيب فيه عن أنظار الجمادات التي تحيط به في معمله. ربّت على سطحها الذي يشوبه بعض الغبار في بعض الأطراف، متسائلًا من أين يا ترى أتى بها ذاك الرّجل الذي أحضرها، بل من أيّ زمانٍ كانت لديه حتى أحضرها بالية؟، ثمّ تلمّس بأصابعه اليمنى الحافّة اليسرى التي بدت ذات وخزٍ خفيف إثر التآكل، ونظر بغير عاطفةٍ، عندما قلب الطاولة مدقّقًا، ومتولّيًا في نفسه دور الحاكم على الخشب الموجود في العالم كلّه. ها إنّها قد نخرها السّوس، ملتهمًا الأفضل، بلا عافية. ما أطول السنوات التي وقفت فيها بأعمدتها الأربعة، ربّما في مجلسٍ ما، فوق سجادةٍ يتخيّل أنّها فارسيّةٌ حمراءُ مزخرفةٌ بنقوشٍ زاهية مبتكرَة، تمّ الحفاظ عليها من التّلف أكثر من الطاولة ذاتها. 


وربّما كانت في غرفة طفلٍ صغيرٍ شقيٍّ، أو مراهقٍ، إذ عثر النّجار على خربشةٍ من غير شكلٍ ولا هدًى في إحدى الجهات الشرقيّة لسطح الطاولة، وقد كانت الخربشة توثّق شعورًا ما، مكبوتًا، عجز صاحبه عن إيجاد كلمةٍ تصفه، مع مُحاولةٍ لمسح آثار آثام جريمة الشّعور. وعلى كلٍّ فإنّ هذا الطّفل، أو المراهق، سيكبر ويعرف قيمة الأشياء لاحقًا، وعندما يكون أبًا بدوره، قد يواجه نفسه غاضبًا من شخبطات أبنائه على الجدران أو الأقمشة أو الورق أيضًا إذا كتبت فيه كلماتٌ مسيئة مثلًا،  يُؤنّبهم ويؤدّبهم، ثمّ يتّهم زوجته التي كان بدوره قد وضع عينيه في عينيها في لحظة الزّفاف - بأنها قصّرت في متابعة أطفالها وتربيتهم.  


طرق النّجار الطاولة طرقَ من يقف على باب مديره مستأذنًا الدّخول؛ ليتأكّد من الهواء العابث في الأنسجة الخشبية. إنّها مستهلكة، آثرت نفسها لتغطية احتياجات الآخرين رغم سوء الاستخدام، ورغم توقّعاتها للحفاظ عليها، أو على الأقل تمنّت يومًا إبعاد توقّعاتهم بأن تبقى هي الطاولة نفسها دومًا دون خلل، فهي مجرّد طاولةٍ لا إنسان، فمن الواضح أنّها وبطريقةٍ ما فقدت قدمًا، إذ أبصر النّجار مسمارين برزا في أعلى القدم اليمنى أيضًا، في عمليّة ترقيع قام بها أحدهم، بعد أن عجز عن إقامة الطاولة، بأن تبدو واقفةً دون أن تبدو كسيرة في ذلك المكان الذي يجهله النّجار. 


يخمّن مرّةً ثانية: ربّما كانت في صالةٍ عريضةٍ متعدّدة الاستخدامات؟ وتساءل: هل فيها طاولات أخرى مشابهة لم يسعفها الحظّ بأن تُحمَل إلى نجارٍ يدغدغ مشاعرها، يكشف ما فيها من الأذى المتغلغل في الأعماق، ويعالج التشققات؟ بينما هي اليوم على استعدادٍ - أو دون استعداد - لتحمّل المطارق والمسامير والقاطعات وماسحات الطلاء والأشياء الأخرى؛ جزاءً على عدم تحمّلها السابق، حتّى لو كانت من زاوية نظرٍ أخرى قد تحمّلت مستخدميها، ومزاجيتهم، وشخصياتهم المتعدّدة، كالكسول الذي لم يكلّف نفسه إلقاء منديلٍ استخدمه في تنظيف مخاطه، فتركه عليها. كالباحث الفوضوي الذي  جعل من حياته طاولةً صفّ فوقها ثقله من الكتب والأقلام، وجهازه المحمول، تناول عليها الطّعام، وشرب الشّاي، وبعثر شيئًا من جواربه وربطات عنقه وقبعاته ونظاراته الشمسية عليها. كالفتاة التي وضعت فوقها حوض سمكٍ تنظر فيه كلّ يومٍ وتتابع وجباته بنشاط دون أن تهتمّ بالرّطوبة المتسللة، فالمهم حياة الأسماك لا حياتها. كالرّئيس العصبيّ باستمرار الذي يضرب بكفّيه عليها، وبجميع ما تلمسه كفّاه عليها كذلك، ويركلها أيضًا في أدنى خلافٍ مع مرؤوسيه، فهي محلّ استقواءٍ له وتسلّط وإثبات للسيطرة من خلال عدم السّيطرة.


اتّصل النّجار بالرّجل الذي أحضرها، وقال له: لا فائدة من تجديدها يا سيّد، فلتشترِ لك طاولةً أخرى. فما كان من الآخر إلا أن أتى معمل النّجار، نزل درجات السلّم إلى القسم الأسفل حيث غرفة الفحص، ألقى عليها نظرةً أخيرةً، ثمّ ترك عروسه مركونةً في الزّواية، منكبّةً على جانبها الأيمن، ورحل.


٢٨ أغسطس ٢٠٢٦و

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق