ما لم يبح به صديقٌ لفرويد.
صداع. أبحث عن زرّ المصباح لعلّي
أجد الضوء، وأتحسّس موضع قلبي لأتأكّد إن كان موجودًا. لا يمكنني النوم، هل أحزم
أمتعتي وأعود وانتهى الأمر؟ لقد جئت لهذه الجزيرة كي أستريح، والآن رأسي يكاد
ينفجر. قبل أسبوعٍ فقط، صباحًا، خدشت وجهي في أثناء الحلاقة. سكبت القهوة على
قميصي. تعثّر طفلي البالغ أربعة أعوامٍ بالسجادة فبكى طويلًا، مع أنّه لم يتأذّى.
أخبرتني زوجتي أنّ بطارية السيارة تحتاج إلى شحن. الأشياء الفوضويّة والمُقلِقَة دفعتني
أخيرًا للاستماع لنصيحة صديقٍ مقرّب جدًّا. بعد أن أصرّ صديقي الآخر – المقرّب فقط
من دون "جدًّا" – على أن أزوره في منزله، ونجلس معًا على الأريكة نتحدّث
طويلًا، وبعد محاولاته في أن يسألني فيم أفكّر، وإذا ما كنت أنام جيّدًا.
بعد
ذلك كلّه، استمعت لنصيحة الآخر، الذي قال ببساطة ومن دون تعقيدٍ وتحليل: تبدو
هزيلًا، وجهك الشاحب المكتئب يحتاج للرّاحة. سافر يا صديقي العزيز. على هذه الأرض
لا توجد الأحلام!
سافر.
– هكذا قال –، فسافرت! أو هربت بالأحرى، تاركًا صغيري الذي بكى على أمرٍ سخيفٍ
مجدّدًا – هو يقول إنّ قبعته سقطت في الوحل –، وتاركًا زوجتي التي تخبرني أنّها
بحاجةٍ إلى شاحنٍ جديدٍ لهاتفها.
ها
أنا ذا على جزيرةٍ مظلمة، بشكلٍ أدقّ خافتة الأضواء، يمكنك أن ترى النور على أطرافها
آتيًا من فوانيس بعيدة على امتداد البحر. يقولون إنّ الجوّ شاعريٌّ هكذا، وأقول:
تنقصه الشموع العطريّة ربّما؛ لأنّي أشعر أنّ ملح البحر هنا مسمّم، والهواء مليءٌ
به، وهو يضغط ويتكدّس على مواضع جراحي التي تسبّبت بها لنفسي بالأمس في يدي اليسرى
ومرفقها – أنا أعسر بالمناسبة –، عندما كسرت المرآة، التي طالبني صاحب الفندق
بحساب قيمتها – أكثر ممّا تستحقّ – مضافًا إلى الفاتورة.
عندما
تنزّهت في الجزيرة للمرّة الأولى لم أجد شيئًا يُذكر. حسنًا، هناك جانب مريح واحد،
وهو على الجهة الغربيّة من الجزيرة، ومع أنّ الأشجار فيه تبدو قليلةً ومتراصّة
إلّا أنّه كان يجعلني أشعر بنبض قلبي من دون أن أتحسّس موضعه. وأكثر ما جذبني لذاك
المكان أكبر شجرةٍ فيه، ليست عالية كثيرًا، وكانت أوراقها نصفها أخضر يكسوه رذاذ،
لا أدري إن كان غبارًا؛ لأنّ الغبار لا يملك رائحةً خفيفةً ولا يهدّئ الأعصاب ولا يخفّف
من ألم الجروح في يدي. وأنا أذكر كم كان بيتي ملوّثًا بالغبار وكان من المزعج لي ولزوجتي
عمليّة تنظيفه، خاصةً ما يتراكم منه على المكتبة وفي الزوايا وعلى المروحة التي لم
تعد تعمل منذ أكثر من أربعة أشهر ولم أقم بإصلاحها، تكاسلًا تارةً وانشغالًا تارةً
أخرى!
أمّا
النصف الآخر من الشجرة فلونه تفاحٌ أصفر فقد بريقه. لكنّ المدهش في هذه الشجرة
أنّها الوحيدة التي عندما تقترب منها يمكن سماع أهازيج وموسيقى في حفيفها، وصوتًا
من المجهول ينادي: "سامح، سامح، سامح".
في
الحقيقة سامح اسمي. أنا هو سامح.
سامح
الذي أنجبته أمّه وتركته عند أبيه وجدّته ورحلت، فسامح.
سامح
الذي كان لا يقترب من الأرجوحة؛ لأنّ الأطفال شاجروه عندما ركبها أوّل مرّة
وأسقطوه أرضًا، فسامح.
سامح
الذي أخطأ الطبيب في تشخيصه، فاضطرّ للبس النظارات الطبيّة لتصحيح الرؤية أبد
الدّهر، فسامح.
سامح
الذي رفضته المرأة التي أحبّها؛ فقط لأنّه رسب في فصله الأخير في الجامعة وأدّبته بكلمة
"فاشل"، فسامح.
سامح
الذي لفّق عليه رئيس العمل أنّه لم يسلّم تقريرًا طلبه منه ثمّ فصله، فسامح.
و...
هذا اسمي، الذي اختارته لي أمّي بالمناسبة.
من
يدري، ربّما كنت أتخيّل! أنا رغم شعوري بالراحة هناك آثرت أن لا أذهب، كأنّي نفرت
من هذه الشجرة عندما حاولت أن أتسلّقها فلم أستطع، ثمّ إنّي فررت خوفًا من أن أسقط
وينكسر لي ضلعٌ أو فقرة، ولم يكن هناك من سُلّم.
على
أيّة حال، في المرّة الثانية تجوّلت في الجزيرة. عندما تتّجه إلى الجانب الشماليّ..
مهلًا.. هل كان الشماليّ أم الشرقيّ؟ لا يهمّ، يوجد كوخان صغيران متجاوران بفاصل
قد يبلغ المتر والنّصف أو المترين، أو قد تكون ثلاثة أمتار بأقصى حدّ. كلّ واحدٍ
منهما أشبه بسجنٍ انفراديّ صغيرٍ ضيّق، وغير مرتفع. وكانا أيضًا مصنوعان من القشّ
والجريد، ممّا يجعلهما أشبه بعريشين صغيرين. أحدهما الذي كان يساري بابه مغلق، فتحته
بعد تردّد فإذا هو فارغ! والثاني لم يكن ذا بابٍ بالأصل، لكنّي لم أقترب منه. هذه
البقعة من الجزيرة أتيت إليها مرارًا، على الرغم من وحشيتها، وعلى الرغم من أنّها
بقعة بدت لي مظلمةً أكثر من غيرها، وعلى الرغم من أنّي كنت أضع يدي على صدري لئلا
أفقد قلبي فجأة.
في
إحدى المرات كنت أطوف حول الكوخين، كأنّي أبحث عن شيء..
رأيت
امرأةً مسربلةً بالأبيض. رداء، عباءة، كفن، لا أدري أيّ الكلمات أقرب. من أعلاها إلى
أخمص قدميها. كانت تغطي به وجهها أيضًا. اقتربت، شممت رائحة حبّي الأوّل، فاقتربت أكثر،
مددت يدي أردت أن أرفع غطاءها هذا، فاستلّت يدي وجعلتني أتحسّس وجهها. كان خاليًا
من الملامح، يشبه هذه الجزيرة، يكاد يكون جلدًا على عظم، وكان باردًا ومبلّلًا
بالدّمع. تسلسلت الوحشة إلى قلبي، كنت أفكّر أنّني أمام شبح، ومع ذلك انتابني عطفٌ
شديد، شعورٌ مزدوجٌ من النّفور غلب عليه الانتماء، ولأخفّف من قسوتي وأتسامح،
عانقتها، شاركتها ملامحي، اتّحدنا معًا، تقاسمنا وجهَيِ الموت والحياة نصفًا بنصف.
وفي اليوم التالي رأيتها قد خلعت الرداء ولكنها ارتدت فستانًا هادئًا – أبيض اللون
بالطبع! – وكانت تشبه حبّي الأوّل لكنّها أقرب إلى أن تكون نسخةً أنثويّةً منّي.
الآن
أنا في الفندق، أشعر بالقلق والتوتّر والحذر، ورأسي يؤلمني لأنّي لا أستطيع النوم.
أرجو أن لا تأتي طارقةً الباب. بالأمس، بعد جلسةٍ مطوّلةٍ معها، دخلنا الكوخ الذي
بلا باب. كانت فيه مرآة دائريّة رأيت نفسي فيها، فأصابني الرّعب. غادرت سريعًا. ما
إن عدت إلى غرفتي حتّى كسرت المرآة قبل أن أتأمّل نفسي فيها.
أريد
العودة إلى الأرض التي لا توجد فيها الأحلام.
تمّت.
28/8/2018م.