الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

بطاطس مقليّة



كانت تدريبات السّياقة عبارةً عن برنامجٍ للشدّ؛ شدّ أوتار حلق مدرّبتها الحانقة في كلّ مرّة تخطئ فيها استعمال المؤشّر، أو الكابح، أو السّرعة غير المناسبة بالزيادة أو النقصان، أو الاقتراب من الاصطدام بشجرة أو عمود، أو الانحراف عن المسار، وغيرها من أخطاء المبتدئين في القيادة. وفي الوقت نفسه، هو شدٌّ لأعصابها المتهيّجة إثر كلّ نبرة تحذيرٍ أو صرخة. ويبدو أن الظاهر للعيان أنّ كلتيهما كانت تقاوم رغبتها في شدّ شعر الأخرى، لولا استفادة الطّرفين، كلٌّ ممّا لدى الآخر، بل ورطة كليهما ببعضهما البعض، اختيارًا وعقدًا، فقد ناهزت الثلاثين من العمر، وتعدّ زمانها متأخّرًا عليها دون أن تتعلم.


كانت تطلب من خطيبها، الذي لقبته عائلتهما بالمتأخّر في اللحاق بحياتها - أن يأتي إليها في كلّ عودةٍ للمنزل من مدرسة السياقة بكيس بطاطس مقليّة، ولأن الخطيب مدلِّلٌ لامرأته، حسب تقاليد الرّجال، حتّى وإن كان ذلك سيزيد من وزن خطيبته، إلا أنّه سرعان ما لبّى رغبة شريكته، ومدّ لها كيس البطاطس السّاخن. وبينما هما يتحدّثان في طريق الرّجوع، متولّيًا القيادة، كانت هي تلتقط إصبع البطاطس تلو الإصبع، وتغمّسه في الكاتشب، ثم تأكله.


في اليوم الذي انتهى فيه عدد الساعات المطلوبة لتجربة اختبار السياقة، اتّصلت بخطيبها، وطلبت منه كيسي بطاطس من الحجم الكبير. ما إن دخلت سيارة الخطيب حتّى أخذت تبتلع أصابع البطاطس واحدةً واحدةً، دون أي منكّهات، بصمتٍ مواريةً الدّموع المتحجرة على طرف عينيها، وممتنعةً عن الكلام تمامًا، ومن البدهِيِّ أنّ ذلك المحبّ قد أدرك أنّ شيئًا ما يحدث، وحاول أن يفعل شيئًا ما بطريقته؛ لملاحظته ملامح زوجته المخطوفة منذ أن دخلت، وأنفها المحمرّ بلونٍ يشبه الكاتشب، لكنّه لم يفلح في إخراجها عن صمتها، وواصل القيادة.


لم تنجح. وفي ذلك اليوم نفسه، كانت المدرّبة مصابةً بالتهابٍ في الحلق، فأخبرتها وحسب أنها ستعطي الدّفتر لصديقةٍ لها في المهنة، علّها تستفيد أكثر منها، من خلال الساعات الإضافية، وبعد صبرٍ من الاثنتين، نجحت في اختبار القيادة بالقطّارة، ففاجأها خطيبها بالسيارة التي أعطاها إياها، مع كيس بطاطس بالطبع. 


لكنّ المفاجأة الرّائعة ان السيّارة كانت من النوع الذي تدرّبت عليها أوّلًا، وباللون الأحمر كالكاتشب؛ مما أحدث المطر والبرق والرّعد في كيانها، لكنّها صمتت، وتناولت كيس البطاطس من يد الخطيب، ثمّ عانقته باستسلامٍ للسعادة المفترضة.


مع الوقت، بدأت رائحة البطاطس المقليّة تنتشر في السيارة في كلّ مرّةٍ تعود فيها إلى المنزل، كما أن زوجها قد لاحظ قليلًا جدًّا من الأصابع التي سقطت منها سهوًا على الكرسي أو أسفل منه. نبهها لذلك بودّيةٍ تمامًا. 


مع الوقت، تكرّرت بعض الخدوش والإصابات الطفيفة، وبالتالي، بدأ المتأخّر باللحاق على السيارة بالتوصيات والتنبيهات، في أكثر من موقف. وفي إحدى المرّات انفجر قائلًا: انتبهي أكثر في الشارع! سئمت من المخالفات! سألته: هل أعدّ لك شيئًا من البطاطس كي تهدأ يا عزيزي؟ فأجابها بحدّة: كفاكِ تناولًا للبطاطس المقليّة عند القيادة! 


هي تعلم أنها لا تستطيع التنازل عن البطاطس، مع ذلك، حاولت، فتلكّأت لمدّة أسبوع عن السياقة، لكي لا تضطر إلى أكلها، ترضيةً للحبيب، وأخذت ملاعق من الكاتشب لكي تتخيّل أنّها تأكله مع البطاطس.


سرعان ما استسلمت، تجوّعت لأكل البطاطس، وبالذات من مطعمها المفضّل، فخرجت بالسيارة لشرائها. اشترت كيسين كبيرين، وعند العودة أخطأت الطّريق، إذ سلكت معبرًا اصطدمت فيه بجدارٍ عريض اصطدامًا رهيبًا كسّر السيارة من الأمام، فما كان منها إلا أن حشت ملء فيها بالبطاطس المقليّة، وصبّت زيتًا على ما تبقى، نثرته على المقود والكراسي والأرض، وألقت بولاعة زوجها بالداخل، وغادرت تلوك ما في فمها من بطاطس وتبتلعه، بينما كانت السيارة الحمراء خلفها تشتعل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق