الجمعة، 28 أغسطس 2026

مجرّد طاولة



جلس النّجار وأمامه طاولةٌ خشبيّةٌ مستطيلةٌ قديمة، أتى بها أحدهم قبل يومين، يخبره أنّه يريد منه أن يصلحها ويعيدها غضّةً، مبعوثةً للحياة، كعروسٍ مرتبكةٍ ستزفّ قريبًا بين يديها باقة زهرٍ طبيعيٍّ ستوضع في آنيةٍ ما فوق طاولةٍ أخرى، إلى أن تجفّ بدورها. 


تأمّل النّجار الطاولة تأمّلًا فاحصًا، تأمّلًا يغيب فيه عن أنظار الجمادات التي تحيط به في معمله. ربّت على سطحها الذي يشوبه بعض الغبار في بعض الأطراف، متسائلًا من أين يا ترى أتى بها ذاك الرّجل الذي أحضرها، بل من أيّ زمانٍ كانت لديه حتى أحضرها بالية؟، ثمّ تلمّس بأصابعه اليمنى الحافّة اليسرى التي بدت ذات وخزٍ خفيف إثر التآكل، ونظر بغير عاطفةٍ، عندما قلب الطاولة مدقّقًا، ومتولّيًا في نفسه دور الحاكم على الخشب الموجود في العالم كلّه. ها إنّها قد نخرها السّوس، ملتهمًا الأفضل، بلا عافية. ما أطول السنوات التي وقفت فيها بأعمدتها الأربعة، ربّما في مجلسٍ ما، فوق سجادةٍ يتخيّل أنّها فارسيّةٌ حمراءُ مزخرفةٌ بنقوشٍ زاهية مبتكرَة، تمّ الحفاظ عليها من التّلف أكثر من الطاولة ذاتها. 


وربّما كانت في غرفة طفلٍ صغيرٍ شقيٍّ، أو مراهقٍ، إذ عثر النّجار على خربشةٍ من غير شكلٍ ولا هدًى في إحدى الجهات الشرقيّة لسطح الطاولة، وقد كانت الخربشة توثّق شعورًا ما، مكبوتًا، عجز صاحبه عن إيجاد كلمةٍ تصفه، مع مُحاولةٍ لمسح آثار آثام جريمة الشّعور. وعلى كلٍّ فإنّ هذا الطّفل، أو المراهق، سيكبر ويعرف قيمة الأشياء لاحقًا، وعندما يكون أبًا بدوره، قد يواجه نفسه غاضبًا من شخبطات أبنائه على الجدران أو الأقمشة أو الورق أيضًا إذا كتبت فيه كلماتٌ مسيئة مثلًا،  يُؤنّبهم ويؤدّبهم، ثمّ يتّهم زوجته التي كان بدوره قد وضع عينيه في عينيها في لحظة الزّفاف - بأنها قصّرت في متابعة أطفالها وتربيتهم.  


طرق النّجار الطاولة طرقَ من يقف على باب مديره مستأذنًا الدّخول؛ ليتأكّد من الهواء العابث في الأنسجة الخشبية. إنّها مستهلكة، آثرت نفسها لتغطية احتياجات الآخرين رغم سوء الاستخدام، ورغم توقّعاتها للحفاظ عليها، أو على الأقل تمنّت يومًا إبعاد توقّعاتهم بأن تبقى هي الطاولة نفسها دومًا دون خلل، فهي مجرّد طاولةٍ لا إنسان، فمن الواضح أنّها وبطريقةٍ ما فقدت قدمًا، إذ أبصر النّجار مسمارين برزا في أعلى القدم اليمنى أيضًا، في عمليّة ترقيع قام بها أحدهم، بعد أن عجز عن إقامة الطاولة، بأن تبدو واقفةً دون أن تبدو كسيرة في ذلك المكان الذي يجهله النّجار. 


يخمّن مرّةً ثانية: ربّما كانت في صالةٍ عريضةٍ متعدّدة الاستخدامات؟ وتساءل: هل فيها طاولات أخرى مشابهة لم يسعفها الحظّ بأن تُحمَل إلى نجارٍ يدغدغ مشاعرها، يكشف ما فيها من الأذى المتغلغل في الأعماق، ويعالج التشققات؟ بينما هي اليوم على استعدادٍ - أو دون استعداد - لتحمّل المطارق والمسامير والقاطعات وماسحات الطلاء والأشياء الأخرى؛ جزاءً على عدم تحمّلها السابق، حتّى لو كانت من زاوية نظرٍ أخرى قد تحمّلت مستخدميها، ومزاجيتهم، وشخصياتهم المتعدّدة، كالكسول الذي لم يكلّف نفسه إلقاء منديلٍ استخدمه في تنظيف مخاطه، فتركه عليها. كالباحث الفوضوي الذي  جعل من حياته طاولةً صفّ فوقها ثقله من الكتب والأقلام، وجهازه المحمول، تناول عليها الطّعام، وشرب الشّاي، وبعثر شيئًا من جواربه وربطات عنقه وقبعاته ونظاراته الشمسية عليها. كالفتاة التي وضعت فوقها حوض سمكٍ تنظر فيه كلّ يومٍ وتتابع وجباته بنشاط دون أن تهتمّ بالرّطوبة المتسللة، فالمهم حياة الأسماك لا حياتها. كالرّئيس العصبيّ باستمرار الذي يضرب بكفّيه عليها، وبجميع ما تلمسه كفّاه عليها كذلك، ويركلها أيضًا في أدنى خلافٍ مع مرؤوسيه، فهي محلّ استقواءٍ له وتسلّط وإثبات للسيطرة من خلال عدم السّيطرة.


اتّصل النّجار بالرّجل الذي أحضرها، وقال له: لا فائدة من تجديدها يا سيّد، فلتشترِ لك طاولةً أخرى. فما كان من الآخر إلا أن أتى معمل النّجار، نزل درجات السلّم إلى القسم الأسفل حيث غرفة الفحص، ألقى عليها نظرةً أخيرةً، ثمّ ترك عروسه مركونةً في الزّواية، منكبّةً على جانبها الأيمن، ورحل.


٢٨ أغسطس ٢٠٢٦و

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

بطاطس مقليّة



كانت تدريبات السّياقة عبارةً عن برنامجٍ للشدّ؛ شدّ أوتار حلق مدرّبتها الحانقة في كلّ مرّة تخطئ فيها استعمال المؤشّر، أو الكابح، أو السّرعة غير المناسبة بالزيادة أو النقصان، أو الاقتراب من الاصطدام بشجرة أو عمود، أو الانحراف عن المسار، وغيرها من أخطاء المبتدئين في القيادة. وفي الوقت نفسه، هو شدٌّ لأعصابها المتهيّجة إثر كلّ نبرة تحذيرٍ أو صرخة. ويبدو أن الظاهر للعيان أنّ كلتيهما كانت تقاوم رغبتها في شدّ شعر الأخرى، لولا استفادة الطّرفين، كلٌّ ممّا لدى الآخر، بل ورطة كليهما ببعضهما البعض، اختيارًا وعقدًا، فقد ناهزت الثلاثين من العمر، وتعدّ زمانها متأخّرًا عليها دون أن تتعلم.


كانت تطلب من خطيبها، الذي لقبته عائلتهما بالمتأخّر في اللحاق بحياتها - أن يأتي إليها في كلّ عودةٍ للمنزل من مدرسة السياقة بكيس بطاطس مقليّة، ولأن الخطيب مدلِّلٌ لامرأته، حسب تقاليد الرّجال، حتّى وإن كان ذلك سيزيد من وزن خطيبته، إلا أنّه سرعان ما لبّى رغبة شريكته، ومدّ لها كيس البطاطس السّاخن. وبينما هما يتحدّثان في طريق الرّجوع، متولّيًا القيادة، كانت هي تلتقط إصبع البطاطس تلو الإصبع، وتغمّسه في الكاتشب، ثم تأكله.


في اليوم الذي انتهى فيه عدد الساعات المطلوبة لتجربة اختبار السياقة، اتّصلت بخطيبها، وطلبت منه كيسي بطاطس من الحجم الكبير. ما إن دخلت سيارة الخطيب حتّى أخذت تبتلع أصابع البطاطس واحدةً واحدةً، دون أي منكّهات، بصمتٍ مواريةً الدّموع المتحجرة على طرف عينيها، وممتنعةً عن الكلام تمامًا، ومن البدهِيِّ أنّ ذلك المحبّ قد أدرك أنّ شيئًا ما يحدث، وحاول أن يفعل شيئًا ما بطريقته؛ لملاحظته ملامح زوجته المخطوفة منذ أن دخلت، وأنفها المحمرّ بلونٍ يشبه الكاتشب، لكنّه لم يفلح في إخراجها عن صمتها، وواصل القيادة.


لم تنجح. وفي ذلك اليوم نفسه، كانت المدرّبة مصابةً بالتهابٍ في الحلق، فأخبرتها وحسب أنها ستعطي الدّفتر لصديقةٍ لها في المهنة، علّها تستفيد أكثر منها، من خلال الساعات الإضافية، وبعد صبرٍ من الاثنتين، نجحت في اختبار القيادة بالقطّارة، ففاجأها خطيبها بالسيارة التي أعطاها إياها، مع كيس بطاطس بالطبع. 


لكنّ المفاجأة الرّائعة ان السيّارة كانت من النوع الذي تدرّبت عليها أوّلًا، وباللون الأحمر كالكاتشب؛ مما أحدث المطر والبرق والرّعد في كيانها، لكنّها صمتت، وتناولت كيس البطاطس من يد الخطيب، ثمّ عانقته باستسلامٍ للسعادة المفترضة.


مع الوقت، بدأت رائحة البطاطس المقليّة تنتشر في السيارة في كلّ مرّةٍ تعود فيها إلى المنزل، كما أن زوجها قد لاحظ قليلًا جدًّا من الأصابع التي سقطت منها سهوًا على الكرسي أو أسفل منه. نبهها لذلك بودّيةٍ تمامًا. 


مع الوقت، تكرّرت بعض الخدوش والإصابات الطفيفة، وبالتالي، بدأ المتأخّر باللحاق على السيارة بالتوصيات والتنبيهات، في أكثر من موقف. وفي إحدى المرّات انفجر قائلًا: انتبهي أكثر في الشارع! سئمت من المخالفات! سألته: هل أعدّ لك شيئًا من البطاطس كي تهدأ يا عزيزي؟ فأجابها بحدّة: كفاكِ تناولًا للبطاطس المقليّة عند القيادة! 


هي تعلم أنها لا تستطيع التنازل عن البطاطس، مع ذلك، حاولت، فتلكّأت لمدّة أسبوع عن السياقة، لكي لا تضطر إلى أكلها، ترضيةً للحبيب، وأخذت ملاعق من الكاتشب لكي تتخيّل أنّها تأكله مع البطاطس.


سرعان ما استسلمت، تجوّعت لأكل البطاطس، وبالذات من مطعمها المفضّل، فخرجت بالسيارة لشرائها. اشترت كيسين كبيرين، وعند العودة أخطأت الطّريق، إذ سلكت معبرًا اصطدمت فيه بجدارٍ عريض اصطدامًا رهيبًا كسّر السيارة من الأمام، فما كان منها إلا أن حشت ملء فيها بالبطاطس المقليّة، وصبّت زيتًا على ما تبقى، نثرته على المقود والكراسي والأرض، وألقت بولاعة زوجها بالداخل، وغادرت تلوك ما في فمها من بطاطس وتبتلعه، بينما كانت السيارة الحمراء خلفها تشتعل.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

اللا-شيء



إذا كان الفراغ هو اللاشيء، فلماذا يبدو دائمًا ممتلئًا بالأشياء؟ هذا ما خطر إليه، وقد خطرت إليه أمور أخرى تتقافز وتسرح وتمرح مثلما يفعل البهلوانيون في عروض السيرك، على الرّغم من أنه من المفترض أن يغسل شعره المتروك منذ ثلاثة أيّام، ويزيته، ويسرّحه، ويخرج للعالم الخارجي الذي يبدو أكثر هدوءًا مقارنةً بالفراغ، ولكنّه يؤجّل ذلك.


يبقى متمدّدًا على ظهره على الأرضيّة الإسمنتيّة الخشنة، يفكّر وبصره يتلاحق إحدى أذرع المروحة. قالوا إليه إنّ ذلك يحسّن من مدى التّركيز، لأنّ حدقة العين ستختار ما تلتف حوله، تدور حيثما تكون الدّائرة واحدةً، بدلًا من أن تطالع الجدار يمينًا ويسارًا وفي كلّ اتجاه دون أن تكون هناك صورةٌ، ولو لوردةٍ واحدةٍ معلّقة بمسمارٍ كئيبٍ يختبئ خلفها، ثمّ يضطر أن يجلس بمقابل الجدار في تأمّلٍ كفتاةٍ وفتى في موعدهما الأوّل اللانهائيّ، بعد بضع سنواتٍ من عدم الانتباه لوجود أحدهما في حياة الآخر. 


الجدران لها آذان، هكذا علّموه، لكنّ جدار غرفته رماديّ، فيظنّ أنّه أصمًّ، وعلى الأقلّ فالمروحة ذات صوت، يوحي بانتعاشة النًسائم التي تداعب خصل شعره، يتدغدغ منها ويبتسم لفكرةٍ أخرى عبرته حينها: ماذا سأهدي زوجتي في عيد ميلادها القادم؟ ويضحك؛ لأن لا زوجة له بالأصل، ويضحك من خيالاته التي تشتدّ فقاعاتها الورديّة اعتلاءً وبهرجة، كالخدود المحمرّة التي لا يمسّها. قال لنفسه: لا بدّ أن أختار ذراعًا أخرى، هذه الذّراع توحي بالرّومانسيّة الفارغة، فيلاحظ أنّه استخدم مرّةً أخرى كلمة الفراغ، فإن كانت هي فارغة، فإنّها لا بدّ مليئة، مليئة ربّما بالأحلام. 


ما الأحلام؟ ويحاول أن يضيف إليه ضميره: ما أحلامي؟ لكن لا تلسعه أية وخزة في صدره؛ إذ إنّ ضميره المتكلّم غافٍ على سريرٍ آخر، يضاجع امرأةً ما التقى بها في منتصف الطّريق، بينما يعيش هنا على خشونة. قام بتغيير سرعة المروحة إلى أقصاها، ثم عاد مستلقيًّا، يحتاج للتركيز أكثر للبحث عن أحلامه لا عن ضميره، يختار هذه المرّة ذراع المروحة الأكثر تلاشيًا في الفراغ، فيأتيه الجواب: لقد ذهبت أحلامه حيث تجهل مكان تواجده، في فراغ كائن آخر ينام ملء جفنيه، متعبًا من وخزات صدره طوال النهار.


يقول لنفسه: أنا لست لاعب الخفة، فالكرات ذات وزن، ولكن إذا لم أرفعها تسقط على رأسي، الذي لم أغسله بعد، فتهشّمه. ما العمل؟ هل أخفضها؟ هل أرميها في وجه آخرٍ فتكسر له أنفه؟ هل أصبغها بالفيرميل وأبعثها إلى جاري فيُصعقَ من الدّهشة ويصرخ: من أين أتيت بهذا الذّهب الخالص يا رجل؟! وسوف يقول له: أهدني فقط قطعة لحمٍ من جسدك، أنا أريد أن أحيا.


كانت لديه فكرةٌ ما خلال ساعات فراغه الماضية، تفترض أن خلايا جسده منحها إياها والديه، أصدقائه، زملائه، جيرانه، وكلّ معارفه، بحيث أنّ تكوينه لم يكن باختياره تمامًا، وقد ارتدى فوقها ملابس يستر بها تلك الخلايا التي تركت شكلًا ما لجسده وأعضائه، هو لا يستطيع أن يقطع رجله أو ذراعه، ولا أن يمزّق أمعاءه المليئة بالدم والأحشاء والبكتيريا النافعة والضّارة وبقايا الطّعام غير المهضوم، ولا أن يخرج قلبه من صدره، فينغزه بدبّوس أمّه الذي تستخدمه للحياكة.


بدأت عيناه تزداد اضطرابًا، وكذلك أفكاره المتشتتة، فالسرعة عالية، وهذا لا يناسبه. لقد شعر بأنه مثل عطارد عندما يدور حول الشّمس، في عامٍ يبلغ ثمانية وثمانين يومًا، بينما هو مجرّد مخلوقٍ أرضيّ. غيّر السرعة للأبطأ، وعاد لموقعه، مسح على وجهه، وأخذ أنفاسًا عميقة من بطنه، كما يقول المتحذلقون حينما  يتحدّثون عن التنفّس الصحيح، أو الصحيّ.


أخذ يدندن لدقائق. هذه المرة الدائرة التي رسمتها المروحة أبطأ، إنّها تنوّمه مغناطيسيًّا، لكن هذا ليس وقت التفوّه بالاعترافات، بل وقت فتاة الباليه التي تتراقص على نغماته،  وتزيد من حماقته، كونه يتلاحق ذراع المروحة الأخير، غارقًا في خيالاته وأشباحه، هذه المرة تمكّن من التقاط الذراع بعينيه، فوصلت الكهرباء إلى أمّ رأسه، فتحفّز ليقوم لغسل رأسه بالشامبو الذي تخيّل فتاة الباليه الصغيرة تقدّمه إليه، وتنعت رائحته. 


أسرع مطفئًا المروحة، فأخطأ الزر، أضيئت الأبجورة، واستوعب مقدار امتلائه بمقدار فراغه، وسقطت علبة الشامبو من يده،  استدرك الزرّ الصحيح، ولمعت بذهنه حينها الفكرة: لماذا لا تمتلئ المروحة أيضًا، بأذرعٍ أكثر تغطّي الفراغات؟ ولو كنت سأملؤها بشيء، فماذا سيكون؟ هل تنفع فراشات معدتي؟  أو نجوم مقلتيّ؟ 


حمل كرسيًّا، ليرتفع عليه لكي يحرّر الفراشات ويعلّق النّجمات بحبلٍ متدلٍّ في الفراغ، تاركًا خلايا شعره لتكون شاهدة.




٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

سديم

(1) 


بينما كانت سديم تصعد مدرّج التّكريم لجائزة الموظّف الأكثر عطاءً في الشّركة التي تعمل فيها، ويتداخل صوت كعبها الأسود والتّصفيق المنبعث بحرارةٍ من الجماهير الجالسة مع وميض الكاميرات الملتقطة للصور - لم تعلم أنّ والدتها المريضة في التّوقيت نفسه كانت تسقط على عتبات الدّرج في المنزل، مع آهاتٍ قصيرة ونداءاتٍ مقطوعةٍ محفوفةٍ بالخيبة والفراغ.


حملت سديم درعها التّذكاري، والباقة التي أهدتها لها أقرب صديقةٍ لها في الشّركة، غيداء. وحينما كانت تسير بخطاها الواثقة وابتسامتها، امتقع وجهها، تبهدل وتبدّل، وقع هاتفها من يدها، فور مشاهدتها لعددٍ من المكالمات الفائتة، تصحبها رسالةً قصيرة من خالها طه، بأن عليها أن تأتي فورًا إلى المستشفى؛ لأنّ أمها دخلت جناح العناية المركّزة. لم تر هذه الرّسالة إلا بعد مرور ساعةٍ من توقيتها الأصليّ، رفعت الهاتف الذي خُدِشَ، شهقت بصدمة: أمي؟!  تراوح إلى سمعها كلام خالها: أين أنتِ؟ أمّكِ في خطرٍ وفي حالةٍ حرجةٍ، وأنتِ لا تعلمين شيئًا؟! كيف تتركينها هكذا في المنزل بمفردها وأنتِ تعلمين بوضعها الصّحيّ؟


سديم اليتيمة، كانت لأمّها، وكانت أمّها لها، كلاهما تعيش من أجل الأخرى رأفةً بالأخرى. تكبّدت الأمّ العناء لإخراجها حيّةً من رحمها، منذ لحظة ولادتها القيصريّة، ثمَّ صرفت كلّ ما لديها من قوى وجهدٍ ومالٍ لتمكين ابنتها منذ أن كانت رضيعةً بلا أبّ. أمّا بالنسبة إلى سديم، فالحقّ أنّها لم تهمل والدتها يومًا، لكنّ هذا التّوقيت كانت اضطراريًّا وبلا تخطيطٍ مسبَق. وما دون ذلك فإنّها لصيقة بأمّها، المعتنية بها، والقاضية لحوائجها. مع ذلك، ولأنّ الأمّ كانت رحيمةً بالبنت، وتستشعر أنّها تودّ أن تخفّف عنها كي تجد ابنتها طريقها في الحياة، فإنّها كانت تطلب أحيانًا المساعدة من إخوتها وأخواتها، ومن هنا، فإنّ صورة الابنة التي كانت تظهر على أنّها مثاليّةٌ في وظيفتها، وذات إنجازٍ مستمرّ، أثارت شيئًا من حفيظة العائلة، بدعوى أنّها: لا تهتمّ إلا بشؤونها، وأنّ الأمّ من مسؤوليتها.


في ذلك اليوم، قالت الأمّ: رافقتكِ السّلامة، فلتأنسي بالحفل يا عزيزتي. ولم تخبرها بأنّها تشعر بأنّ هناك ما يشبه الاضطراب الهضمي والانتفاخ بالقرب من معدتها، عند جوف قفصها الصّدري. ازداد الانقباض فجأةً مع خطواتها على السُّلَم، وتعثّرت إثر الوجع الأخير في خطوتها. تلك كانت أمارةً من أمارات الذّبحة الصّدريّة،  لكنّها لم تدرك ذلك، ستلقى الأمّ حتفها وتنتهي حكايتها، مع خطواتها في الموت على العتبات، لكن لا سديم، ولا خالها، ولا أيّ أحدٍ عَلِمَ بذلك، إلا بعد أن توقّف جهاز النّبض عن أيّة إشارةٍ حيويّة. فهل كانت الأمّ ستعيش على الإنعاش القلبيّ لولا الضّربة التي أصابت رأسها؟ وهل كانت ستعيش لولا التأخّر الذي حصل لنقلها إلى المشفى؟ ثمَّ كيف عَلِمَ الأخ أصلًا بإصابة أخته؟ هل استشعر ذلك، أو كان مندفعًا بوحيٍ ما؟ طه نفسه لم يدرِ كيف فكّر بأن يأخذ شيئًا من الرِّطَب إلى منزلها ذلك اليوم، ودُهِشَ كونه وجد الباب الآلي للمرآب مفتوحًا، ما يدلّ على أنّ أحدهم نَسِيَه على استعجال.


بُهِتَت سديم، كانت أنظارها إلى الغرفة التي تغمض فيها والدتها عينيها، تفترش السّرير الأبيض، استقبلت أشكال اللّوم والعتاب المختلفة من عائلتها بحفاوة وبصمتٍ مطبق، طوال وقوفها بجَلَدٍ أمام الغرفة، فهم لا يعلمون شيئًا، ولا يريدون أن يعلموا شيئًا أيضًا، وهم لا يسمعون، ولا يريدون أن يسمعوا أيضًا. امتعضت خالتها لمياء ممّا ترتديه، متحدّثةً بثرثرةٍ طويلةٍ عن الدّبوس المشبوك على صدرها، المكتوب فيه: "الموظّف الأكثر عطاءً"، مشيرةً إليه أكثر من مرّة في حَنَقٍ وتذمّرٍ متكرّر. لا توجد استجابةٌ من سديم، لم يتحرّك التّمثال إلا عندما أعلنت الممرضة تعزيتها الحارّة لوفاة السيّدة سهاد بنت محمّد، أمّ سديم. كانت الحركة متباطئة، دمعاتٌ صامتةٌ تجري على خديّ سديم، ولحظاتٌ من شبه غيبوبةٍ؛ إذ إنّ وعيها انتقل إلى العالم الآخر، حيثما تودّع روح والدتها بسكينةٍ ووقار والتحامٍ شجيّ أخير. 


(2) 

ذبلت زهرات الباقة تدريجيًّا، تلك التي أعطتها صديقة سديم لها يوم تكريمها، بالرّغم من أنّها وضعتها في الماء، وجدّدته أكثر من مرّة. كلّما رأت سديم علامات الموت في شيءٍ يجعلها تحزن، يتمزّق قلبها قِطعًا؛ لعجزها عن فعل شيءٍ لردّه. تولّد لديها الاعتقاد بأنّها السبب، كما قال لها خالها، تارَةً تقول لنفسها: لو لم تذهب ذلك اليوم إلى الحفل التكريميّ لما حدثت المأساة، وكانت ستتفاداها، وتارة أخرى تقول أيضًا إنّها لم تتصدّق في ذلك الشّهر، فلم تدفع الشرّ عن أمها، وحينًا تستغرق في تأمّلاتٍ وحشيّة، تهاجمها دون صدّ، تفكّر أنّها لم تكتشف أنّ أمها تتألّم في ذلك اليوم سرًّا، ولم تسألها عن حالها الحقيقيّ، وتفكّر أنّها قدّمت سعادتها عليها، وتفكّر بأنّ كلام خالتها لمياء قد يكون حقيقةً: أنّها قصّرت في الآونة الأخيرة في عطائها لأمها في مقابل عطائها للشركة؛ لتكون ناجحة، وأنّ الأمّ قد شكت إليها الوقت الطويل الذي تستغرقه في العمل، وتشتاق لرؤية وجهها البدريّ كثيرًا. لكن، ولسببٍ ما في نفس الخالة، لم تخبر سديم بالجزء الآخر من القصّة.


ذات صباح، بعد انقضاء اثنين وعشرين يومًا من وفاة والدتها، استيقظت سديم متأخّرةً عن العمل للمرّة الأولى، ورأسها لا يصمت، بل إنّه لم يهدأ منذ البارحة. ثمَّ تجلجل صدى الدّرع الزّجاجيّ الذي هشّمته سديم قطعًا تتلامع من ضوء النّافذة المنبعث على أرضيّة الغرفة. أغلقت السّتارة، وجلست واضعةً رأسها بين ركبتيها، وذهبت في انهيارٍ بنحيبٍ لا يسمعه إلا جدران البيت الفارغ، وخزانة الملابس التي تحتوي حذاء الكعب الأسود في صندوقٍ مغلقٍ بإحكام. 


تكرّر تأخّرُها عن موعد العمل أربع مرّات، واستقطعت من رصيد إجازاتها مرّتين، خلال شهرٍ واحد. وليس هذا فحسب ما حدث طيلة هذه المدّة، إذ تراجع أداؤها قليلًا عن المعتاد، كانت مشتّتةً وأصبحت تحسّ بأنّ تحريك إصبعها على الحاسوب غدا ثقيلًا. قال لها رئيس القسم في يومٍ من الأيّام الماضية: "نحن نقدّر ما تمرّين به من ظروف، وأنّ ما جرى صعبٌ عليكِ، ولكن لا تنسي أنّكِ بطلة هذا الموسم، نرجو أن تكوني بخير". فابتسمت. تقول لها صديقتها غيداء: "هل أنتِ على ما يرام؟ هل أُعِدُّ لكِ شايًا؟". كانت تتمتم بأن لا بأس، وأنّها بخير، وأنّ العمل في الحقيقة هو ما يشغلها عن التّفكير المؤرق، ثمّ أنهت كلامها بابتسامةٍ أخرى. أعدّت الصديقة الرؤوفة كوبًا من الشّاي، وقدّمته لسديم، ما إن كادت تتناوله، تراخت يداها قليلًا، فأسقطته بغير قصد، وتلوّثت أوراق التقرير الذي أعدّه زميلها قُصَيّ. اتّجهت نحوه على استحياء، وطلبت منه أن يعيد طباعة التّقرير، سألها: هل من خللٍ فيه؟ أجابته: كلا، بالخطأ. شرحت الموقف باستعجال معتذرةً منه، بابتسامةٍ أيضًا، فانهال عليها بالتأفّف والتّقصير؛ كان يراها بنظّارة المنافسة لعطائه.


هكذا تكرّرت هفواتها في العمل، وارتكبت بعض الأخطاء التي كانت تستدعي إعادة العمل من جديد،  في المقابل، كان رئيس العمل ما يزال يذكّرها بأنّها الأكثر عطاءً، وما يزال يمتدح ما يخرج من أعمالها، وينعته بالجودة والانضباط والإبداع. أصبحت لا تعرف: أيّ الصورتين هي الصّحيحة عن نفسها: الفتاة الشّابة المُثابرة، أم ذات الأخطاء التي لا تُغتَفَر. وحدث أن انهارت مرّةً أيضًا أمام غيداء في السّيارة، في ذلك اليوم، كانتا قد اتفقتا على الخروج معًا على عشاءٍ لذيذٍ، بمناسبة نزول أجر العمل، كانتا تضحكان معًا، وفجأةً، أخذت سديم تبكي.


(3)


"أشمّ رائحة دخان، ألا تشمّين؟". سألت سديم غيداء في العمل، بوجهٍ مستفسِر وبصوتٍ منخفض. فأجابت الأخرى، بعد أن استنشقت شيئًا من الهواء: كلا، أنا لا أشمّ شيئًا، ربّما قُصَيّ الذي دخل قبل قليل انتهى من سيجارته. خفضت صوتها أكثر، قالت: "قصيّ؟ ربّما. اسمعي.. سأخبركِ شيئًا، لقد استاء منّي مؤخّرًا، وأيضًا تعرّض لي في الاجتماع. كان يلمزني بذكر أنّ هناك من صمّم قالبًا جديدًا للتقارير، ولكنّه غير مُجدٍ ويحتاج لمزيدٍ من التّطوير؛ كونه لا يغطّي جانب الالتزامات الاقتصاديّة المكفولة من الطرف الثالث، ولا يوجد فيه خانة لبند التقييمات على مدى العام، بل فقط التقييم النهائي. لقد كانت مبادرةً منّي أنا، وكنت قد أخبرت المدير قبلًا بشأن فكرة تصميم قسم التكنولوجيا لبرنامجٍ يتيح لنا التقييم بشكلٍ مستمرّ، لا التقييمات الأربعة فقط خلال العام.. على كُلٍّ، كانت النهاية أن نُسِفَت مبادرتي بأكملها".


استوعبت غيداء الموضوع، وفهمت ما يجري في الشّركة. وأيضًا، سرحت ترمق صديقتها بنظراتٍ فاحصة وتفكّر بمراجعةٍ دقيقة، هناكَ شيءٌ من الشّحوب بدا متجلّيًا في قسمات وجهها، وعلامات انطفاءٍ في عينيها، لديها عدّة أظفرٍ متآكلة، وأخرى غير مقلّمة، أكتافها مشدودةٌ غالبًا، وما إن يلمسها أحدٌ أو يضع كفه عليها، تبعده سريعًا، مكتبها ازداد بعثرة، تضيع منه الأوراق التي كانت تحرص على تصنيفها أولًا بأوّل، أصبحت تأتي للعمل قبل موعده بدقيقتين، وتخرج أوّل واحدة منه، لا تقبل بأيّ عملٍ إضافيّ، لكنها فجأةً تظهر بعملٍ لم يُطلَب منها.


في اليوم التّالي، شمّت سديم رائحة الدّخان نفسه، بينما كان رئيس القسم يطرح لها ملاحظة أنّه لا بدّ من أن تقابل الضّيوف في الاجتماع القادم ببشاشة، لقد لوحظ ذلك في الاجتماع السّابق، وأسيء الظنّ بها وبالشّركة. قالت له: حاضر. وبعد هذا الموقف، انتشرت شائعةٌ تنعتها بالنّكد، وأخرى عن أنّها قناعٌ يغطي ضعفه، ممّا أتاح لقصيّ أن يظهر شمسه على حساب الاستنقاص منها. وعلى كُلٍّ،  فإنّ الرّائحة نفسها كانت تشمّها في المنزل، قبل النّوم عندما يستلمها شبح الذّكريات، وكلّما التهمت الأفكار دماغها، قضمت هي من أظفارها، وتزداد الرّائحة أكثر حينما تتصل بها خالتها لمياء، تسأل إن كانت بحاجةٍ إلى شيء، أو عندما يأتي خالها بالرِّطب أو غيره من الفاكهة إلى المنزل، ثمّ يغادر.


في المساء، بعد يومٍ مرهق، اتّجهت سديم لمطبخ المنزل، تُعدّ لها شيئًا من الشّعيريّة الجاهزة السّريعة، وهذا ما اعتادت عليه مؤخّرًا، أيّ شيءٍ سريعٍ يفي بالغرض ويسدّ الجوع ويكون موجودًا في المنزل. سكبت الماء في الطّنجرة، ووضعت البهارات المخصّصة، وراقبته وهو يغلي، تلامس طرف الإناء الحار وجلد مِرْفَقِها سهوًا بينما كانت تحرّكه بالملعقة، فأبعدت كفّها سريعًا. وأمام الفرن، كان مكعّب الثلج يذوب على المِرفَق، بينما دارت في خيالها عبارة "أنتِ السّبب"، فشمّت رائحة دخان خفيف، شيء ما يحترق، ولم تدرك أنّ أسلاك الثّلاجة التي تقبع وراءها قد احترقت بالفعل. 


أطفأت نار الموقد، ثمّ سكبت الشعيرية في إناء. خرجت إلى الصّالة، تناولته وهي ما تزال تشمّ الرّائحة نفسها، وهي تعتقد أنّ ذلك محض خيالٍ كالعادة، وخلال عودتها إلى المطبخ لإعادة الإناء رأت انتشار الدّخان، فاستوعبت قليلًا ما يجري. ردّدت: "أنتِ من ستًلامين مجدّدًا". تبلّدت أمام مشهد غمامة الدّخان، أغلقت باب المطبخ، وأخذت هاتفها لتتصل بخالها، تخبره بنبرةٍ هادئةٍ تمامًا: أنّ مطبخها يحترق. 


بعد أن أُطفِئَ الحريق، وعاد السّكون لمشهد المنزل الذي لم يتضرّر باستثناء المطبخ، ألقى الخال طه سياطه في وجه سديم، وبطريقةٍ ما، أصيبت هذه المرّة بشللٍ ولامبالاة، وَصَمَمٍ عن سماع درس المسؤوليّة، ووجوب الإسراع في الإخبار عند أوّل علامة خطر، والتصرّف بحكمة، والاتّصال بالطّوارئ وقت الضّرورة. بالمقابل، سديم كانت تنظر إليه ببلاهة، وتفكّر فقط: "ما به يصرخ؟! إنّه مجرّد حريق وقد انطفأ، ما المشكلة في أنّ التّيار الكهربائيّ قرّر افتعال مزحةٍ زائدةٍ عن الحدّ مع الثّلاجة؟".


(4)


حاصرت سديم فكرة أن تقدّم استقالتها كما حاصرتها رائحة الدّخان باستمرار. أصيبت بسُعالٍ مزمنٍ، ذكر لها الطّبيب بأنّه إثر ما استنشقته يوم حادثة الحريق، ولكنّه قال بأنّ ذلك سيختفي بعد حوالي أسبوعين وحسب. مضى الأسبوعان، وزاد عليهما الثالث، ولم يتغيّر شيء، فأعادت النّظر مجدّدًا بشأن حالتها المُرهَقَة، إذ إنها في كلّ صباح كانت تختنق بدخانٍ غير مرئيّ، وتجتاحها نوبةٌ من الكحّة.  ووسط الحصار، تردّدت قليلًا، إلى أن اختارت في النهاية أن تأخذ شهرًا على الأقل إجازةً. وافق المدير، ومنحها شهرًا ونصف.


في أوّل يوم إجازة، اختارت سديم أن تفتح غرفة والدتها التي لم تدخلها مسبقًا، لقد مضى بينها وبين وفاة أمّها حوالي ثمانيَ أشهرٍ توشك أن تقترب من تاسعها. وأوّل ما اتّجهت نحوه في الغرفة، المنضدة والمرآة، تلامست أناملها وأطراف الغبار، ولمحت زجاجة المسك الصّغيرة ذات اللّون الزّهريّ التي انتهى ثلثاها، كانت هِيَ من أهدتها إليها. تنشّقت الرّائحة العطرة، واطّلعت لمدّة ثوانٍ انعكاسها في المرآة أمامها متخيّلةً طيف والدتها سيظهر من خلفها، وحملَ أريجُ الذّكرى شيئًا قليلًا من المسرّة والحنان الدّافئ في قلبها.


في خزانة الملابس، تأملت سديم الثّياب المعلّقة المختلفة الألوان، كانت تفكّر إن كان من المستحسن أن تتبرّع بها، أو تتركها للذّكرى، لم تقرّر رأيها بهذا الشأن، رأت نفسها متعلّقةً بتلابيب الثّياب، لا ترغب في هجرها إلى الآن. كما لمحت صندوقًا متفرّدًا في نهاية أحد الرّفوف، أثار فضولها لتفتحه، فإذا به يحتوي جرابًا بداخله حذاء أبيض ذي كعب، وبداخل الصّندوق أيضًا صورةٌ عتيقة لوالدتها مع والدها يوم حفل الزّفاف، وهي ترتدي الحذاء نفسه، مع ذلك التّناغم، ولم يكن أحدهما في الصّورة ينظر إلى الكاميرا، بل في عينيّ بعضهما. اعتقدت سديم لوهلةٍ أنّها لم ترَ والدتها بمثل هذه السّعادة على الإطلاق!


سرت انتعاشةٌ خفيفة جدًّا في نفسها، بالكاد تكون ملحوظة، أدخلت محتويات الصّندوق، وأغلقت باب الخزانة، مشت نحو النّافذة، وامتدّت يدها لفتح السّتارة بمقدار نصفها، وحيث موطئ قدمها عثرت على قرطٍ لؤلؤيٍّ، كانت قد أضاعته والدتها قبل أسبوعين من وفاتها، شعرت هنالك بالغبطة، بالحزن السّعيد، باستئناس المهاجرين كرهًا. ثمّ أدخلت القرط في علبته المركونة في داخل الدّرج حيث تنام مجوهرات والدتها. لمحت هناك مظروفًا قديمًا بعض الشّيء، مزركشًا بزهرات الخزامى، التي كثيرًا ما كانت والدتها تبتاعها كزينةٍ، وتعتني بها دومًا، فتحت المظروف، ورأت خطّ والدتها، كان خطابًا ابتدعته أمّها إلى والدها، بعد ولادتها بأشهر، ووقتها كان ميّتًا. وجدت سطرًا يقول: "...سأعيش يا سرَّ حياتي، يا بهجة أيّامي، يا روحي، كما أردت، وأربّي ابنتنا كما تحبّ، على ذكرياتٍ كانت رؤانا، وعلى اشتياقٍ في الضّمير حيًّا، دُمتَ في خَلَدي عزيزًا..."


أعادت الورقة إلى مكانها، وأغلقت المظروف. بدأت تنظر إلى الغرفة من جميع الجهات. ما تزال سجّادة صلاة أمّها على الأرض، كانت أمّها توصيها دائمًا بأن تضعها ممدودةً بلا طيّ، وتخبرها بأنّ الملائكة ستصلّي عليها. ألقت سديم بنفسها السّجادة، على جانبها الأيمن، وجعلت ذراعها وسادة. آخر فكرةٍ خطرت لها هي أن تشتري شتلةً من الخزامى غدًا، تضعها على قبر أمّها وتسقيها. انسلّ شعاعٌ من الشّمس على خصلات شعرها، وغطّت هنالك لساعات.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

نصٌّ غير مُفتَرَضٍ على الإطلاق.



من المفترض أنّني كنت سأكتب شيئًا آخر. نصف ساعةٍ مضت دون أن أخطّ حرفًا واحدًا، انكببت على ذاتي لأستنهض ذاتي، لم تبلغ المحاولات حدَّ الانتماء إلى فكرةٍ ما، أسردها وأبوح بها، ولا مِن رؤى خياليّةٍ تعينني عليها، والخروج من واقعي كالدّوس على شوكٍ دون الشّعور بالألم، ولا مِن وجدانٍ أختالُ عليه لينسج مسرحيّةً ما لا يُمثِّلها أيّ مُهرِّجٍ ولا يتفنّنها ماهر. أفكاري التي في رأسي مُتَشَنِّجَةٌ، كجسدّي الذي يتشنّج منكمشًا بأدنى مؤشِّرٍ لما يؤذيه.


أتذكّر أنّي فتحت جهازي المحمول، ولديّ ثلاثة خيارات، لا أتذكّر إلا واحدًا منها، ذلك الذي أجّلته؛ لأنّه يحتوي قصّةً أخرى، تحدّثت عنها إحداهن، لم يؤذَن لي بكتابتها بعد. أمّا الخياران الآخران، فلا أدري إن كان هناك ما مسحهما من ذاكرتي فور وصولي لجهازي، ولعلّ زرّ التّشغيل هو زرّ النّسيان، ويا ليته كذلك! كنت ضغطت عليه مرّةً تلو الأخرى.



لكن ما الذي أريد نسيانه؟ أما نسيت معظم الأشياء؟ ذاكرتي متآكلة، لا ينفع معها تناول الجوز صباحًا ولا السّبع من الزّبيب، لا أستطيع تذكّر ما كنت قد نويت كتابته، كأنّه تشفَّر، كالحلم الخرافيّ المتّلاشي فورَ الاستيقاظ. أما كان من الأجدر تسجيله على الورق؛ ليبقى مُخلَّدًا؟ لكنّي لو عمدت إلى تسجيل كلّ أفكاري، حقيقةً، بذهني المبتلَى بضوضائه، وتسلّط تحليلاته، لكنت أفنيت عمري وسط الدّفاتر دون أن أنتهي.



وسط الفراغ، وضعتُ يديّ المتشابكتين في حيرةٍ، أغطّي بهما ما تسمّيه بعض الثّقافات الأخرى بشاكرا التّاج، يُعتقد أنّها مكمن الوعي الكوني والاتّصالات بالموجودات وبالإله، فإن كانت مفرطة التّفعيل - أو العكس - فإنّها تسبب تشويشًا، وصداعًا. مرّت نصف ساعة، أمام الجهاز، بين ذكرياتي وأفكاري. لا شيء، الفراغ وحده، الفراغ الذي يعني مزيدًا من إيجاد الأشياء الأسوأ غالبًا للتّفكير بها وتذكّرها.



الغارق يتمسّك بقشّة، وأنا من يتمسّك بتسريباته الذّهنيّة، ووسط الفراغ، كان تركيزي يلتمسُ الوصول لكائنٍ يشتاق إليه، وآخر من فوق المشهد يستمع إليه من بعيدٍ، لطالما كان التّفكير به، وحده، الأوّل الذي يمتاز بحضوره في عالمي الدّاخليّ الموازي - يخفّف عني ثقل الحياة ومواجعها. يحدث الجدل المعتاد: لم يعد هنا منه واقعًا، نحن نُمارس تعويضًا ما عن الغياب، كثيفَ الذّكريات، صريحَ اللّهجة، مزدانًا بوهم السّكينة، مهيِّجًا للزَّفرة.



العين تحكي ولو صمت كلُّ الجَسَد. كلا، لا أستطيع أن أتذكّر كلَّ شيء، ولا يمكنني الكتابة عن كلّ شيء، فذاكرتي تالفة، وأنا لن أعود بها أكثر للوراء، بعد امتناني لقرب الشّفاء، ولكنَّ الوراء يلحق بي، ولا يمكنني إهمال الوخز الذي أشعر به في رقبتي من الخلف من شبك أظافره، يخنقني، كجاثومٍ في حالة اليقظة، يقبض على عنقي، يجعلني صامتةً، تتراكم الكلمات. في كوابيس الجاثوم التي سبق أن راودتني في النّوم - أنا أكثر مقاومة، أنادي بأسماء وشخصيّات، وأحاول أن أنطق بآيات، وأنا أدرك أنّ هذا مجرّد كابوس.


أمّا الآن، فأغمض عينيّ وأُرجِعُ رأسي إلى الخلف، أُبعِدُ هذا الشّبح، أزيح يديه عنّي، أدلّك ما ينعتونه في تلك الثّقافة بشاكرا الحلق، أتذكّر اطّلاعي عليها دون الإيمان بها، أستخدمها فقط كفكرةٍ خطرت لي، لقد انتهى كلّ شيء. هكذا إذن، مضت النّصف ساعة.. أبدأ بالسّطر الأوّل فالثّاني، أُنتِجُ هذا النّص الذي لم يكن مفترضًا على الإطلاق.




الاثنين، 3 أغسطس 2026

جرف..

 قُلْتُ: انْتَظِر! 
ما بالُ صَدْرِكَ بالأَمانِي يَعْتَفِرْ؟ 
أمّا تُفكِّرُ أَنْتَ إنْ أسْقَطْتَنِي..
نَحْوَ السَّرابِ..
رأيتَ ذَنْبَكَ يَنْغَفِر؟
قُلْتُ: اِصْطَبِر! 
لا سَمْعَ مِنْهُ، لا جَوابَ يَلُوحُ لِي
فأُرَدِّدُ وَأُكافِحُ، 
وبالعَويلِ أُهاتِفُ: 
الجُرْفُ ساحِق! 
الجُرْفُ شاهِق! 
سأَكُونُ عالِقْ! 
أُكَرِّرُ، وأُساوِمُ.. 
تَبْقَى اِبْتِسامَتهُ وراءَ غَمامَةٍ 
بَيْضَاء..
تَصْطَبِغُ السَّكِينَةَ والصَّفاء
ولا أراهُ، مَنْ هُوَ؟
أَمْن ماضِيَّ؟ أو آتيَّ..
خُطْواتِي..
تُبَعْثَرُ لِلْوراءْ.
مَهْلًا، رُوَيْدَكَ..
ما لِصُنْعَتِكَ البَديعَةِ قَدْ أرادَتْ مَهْلَكِي؟
عجَبًا، تَمُدُّ يَدَيْكَ نَحْوِي 
دافِعًا إيايَ نَحْوَ حَقِيقِتي؟ 
عجبًا..
أأَقْبَلُ في انْحِدارِيَ للهَواءْ؟ 
 أَوِ التَّقُدمَّ في فَراغِكَ عابِرًا نَحْوَ الرَّجاءْ؟
تتكَسَّرُ الأَحْجارُ تَحتَ حِذائِيَ المَطْلِيِّ بالذَّهَبِ المُصَفَّى مَرَّتَيْن 
ما طاوَعَتْنِي أَرْجُلِي!
يَشْتَدُّ قلبي؛ نَبْضُهُ، في حالتَيْن:
تَوَقُّفِ الأفْكارِ مِنِّي، تارَةً
وَضَجِيجِها حِينَ التّلاقِي تارَةً 
آن الأوانُ لكي ألاقِيَ مَوْتَتَيْن،
وآخِرُ ما وَثَّقْتُهُ في ناظِري
طَرَفُ الأصابِعِ مِنْكَ 
 تَرْمِيني، وتَخْذِلُنُي
لأَهْوَى، أوْ لأَهْوِي...
في العَيْنِ كانَتْ نَظْرَتين.. 
بِدَمْعَتين.
مِنْ بَعْدِها، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للسَّماءْ
بِلا خِطابٍ، لا اسْتِغاثَةَ، أوْ دُعاءْ
لا صَوْتَ أَحْمِلُهُ مَعِي
ولا صَوْتٌ مَعِي
ما مَعِي...
ما عَدا نَجْوَى فُؤادِي
فأرْفَعُ للبَهاءِ أصابِعي،
 دونَ اللّقاءْ.
أَلْمَحُ الغِرْبانَ جامِحَةً تُطالِعُ أَدْمُعِي 
أرى سحابًا مِنْ ضياءْ.
أتَساءَلُ:
أَيْنَ نِهايَةُ الـمَجْهولِ مِنْ بَعْدِ السُّقُوطْ؟ 
أتُراهُ قلبي سَوْفَ يَبْقَى سالِمًا 
بَعْدَ الهُبوطْ؟ 
بِلا قُنُوطْ؟ 
لا شَيْءَ يُنقِذُنِي سَوى: ابتِكارِ الـمَوْتِ كَيْ أَحيا...
فَلا جَدْوَى 
ولا رَجْوَى 
ولا بُشْرَى 
ولا..
والآنَ أَغْلَقْتُ الجَناحَ مُسَلِّما...
حّتى انْتَهَيْتُ.. في ارْتِطامِيَ بالقِمَمْ
حَدَّقْتُ في جُرْحِي، فَساوَرَنِي نَدَمْ.
وَجَعٌ بِظَهْرِيَ إِثْرَ حافَّةِ خَنْجَرٍ 
غَرسوهُ في وَسطِ الصُّخورِ
أصابني.
يا لَيْتَني.. يا لَيْتَني..
ما الشَّرْخُ خَدْشٌ..
أضِمادُكُمُ عَبثٌ بِنا؟ 
مِنْ فَوْقِنا؟
فِي جُرْفِنا؟ 
إذن، هيا بِنا..
أيَا النَّفْسُ اللَّئِيمَةُ، فَلْنُحارِبْ وَحْدَنا. 
أَمْضَيْتُ أيّامًا هُناكْ...
أشعلتُ نارًا كي أُدَفِّئَ أذرُعي 
عالجْتُ ظَهْرِي، رِحْتُ أُسْنِدُهُ بِكَفّي
في بواطِنِ دِفْئِها أثَرُ السُّجود.
وذاتَ يومٍ..
 مِنْ بَعيدٍ.. 
لاحتِ العَنْقاءُ لِي
كالطُّفُولَةِ بالـوُجوم
هَبَطَتْ رَحُوم
علَّقْتُ نَفْسِيَ عُنْقَها
عَطْشَى أنا
أصْبَحتُ حافِيَةً
وطافَتْ بِي تَجُوّلُني
بأنْحاءِ الغُيوم
وفي النّجوم.
والآن أطْرافُ الأصابِعِ ذاتُها 
تَحْنُو عَلَيَّ، تَجُسُّني
فأسْمَعُ في البَكِير..
صوتًا يُنادِي،
 باسمِيَ المألوفِ
يُخْبِرني بأنّي...
قدْ سَقَطْتُ مِنَ السّرير.