الاثنين، 29 أبريل 2024

رَميم

 لا أعلم من أين أبدأ.

أفكاري مبعثرة، مشاعري رماديّة، كلّها تفيض، ولكنّي أدرك أنّ الكتابة هي الشيء الوحيد الذي بات يسعفني. 

أتخيّل أنّ يدًا تمتدّ لقلبي حاملةً مشرطًا، لا أعرف إنْ كان هذا معالجًا، أم مُشرّحًا. 

أتخيّل صوت حذائي وهو يدوس شيئًا، هو الزّجاج المتناثر المكسور الذي يتفتّت مع كلّ دهسةٍ عندما يخطو فوقه كعبي العالي. 

أتخيّل الباب لغرفتي، المغلق، سيُطرق الآن، بينما أجلس ملتمّةً على نفسي، أحدّق ما بين الجدار والنّافذة والباب، بوجهٍ خالٍ من أيّ تفاصيل تخبرك بأنّي بخير أو لست كذلك.


ليست لديّ رغبةٌ في مواصلة الحياة بهذه الطّريقة البليدة، المُجرَّدة.


غدوت كأشتاتٍ متفرّقةٍ ألملم نفسي لملمةً قطعةً قطعة، أفعل أيّ شيءٍ من أجل أن أعيد ترميمي مجدّدًا، الآن أدفع ثمن استسلامي غاليًا، وشعوري بالنّدم، وباليأس.


 وبالكثير من الأسى على نفسي.

ماذا سأفعل؟

مررت بأحداث عديدة، مررت بالقهر والغضب والبؤس والتّعاسة والتّوتّر والمزيد من القلق ما بين هذا وذاك.


لكن هذه المرّة.. هناك حمل ثقيل الوزن، لكنّي لا أحمله على كتفي ككلّ مرّة، بل عند صمام وريدي الأبهر. شيءٌ يجعلني أفضّل النوم لساعات، وأغلق هاتفي لساعات، وأطيل وقت عملي أو قراءتي للكتب لساعات.


وأيضًا.. أمارس الكتابة بكثرةْ لتخفيف العبء على نفسي. 


من المفترض ألّا تكون هذه الانتكاسة هي الأسوأ.

السبت، 20 أبريل 2024

الذّاكرة...



"فليذهب إلى الجحيم!".

ذات يومٍ بُحت بها وأنا أنظر في الاسم الذي ظهر أمامي عبر الشّاشة، وكيف أنّ لعبة الزّمن قد امتدّت لكي أرى كيف أنّ الشّخص نفسه يظهر فجأةً أمامي، ما بين فترةٍ وأخرى، على الرّغم من أنّي قد ضغطت على زرّ الصّامت الذي يمنع أن أشاهد أيّ صورةٍ أو كلامٍ يكتبه في هذا البرنامج، ليس لأني أكرهه، ولكنّي لا أحبّ مشاهدته حقًّا، ذلك يثير إزعاجي وحسب، لقد تغيّرت حياتي على كلِّ حال، وغدوت مهندسةً مذهلةً، يتفاءل بي القاصي والداني، وذات علاقاتٍ اجتماعيّةٍ رائعة، وشخصيّةٍ يفخرُ بها من حولها، كبلّورةٍ مصقولةٍ، أو لؤلؤةٍ مُزدانة، بخطواتٍ متقدّمة على طريق هذه الحياة.


يدعمني الآن رجلٌ آخر، بالنّسبة إليَّ كان الحبّ الهائل، الرُّخامَةُ التي أتَّكِئُ عليها،و السَّنَدُ الوحيد، شريك الحياة الذي لا ينتمي إلى سراديب الذّاكرة، بل يمتلك قصورها بأكملها، ليس بخارج قلبي بل مُطْبِقٌ عليه.
هذه المرة كانت الأسوأ، ليس لسببٍ يخصّني، إنّما هذه المرّة، شعرت بالاشمئزاز من كونهما قد التقيا على صفحةٍ واحدة، على وجه المصادفة، كيف؟ لا أعلم! هي لعبة الزّمن كما قُلت. الاسم الذي ظهر في الشّاشة كنتُ أعرف نوع خداعه، هذهِ المرّة كانَ صاحبي الأليف من تَرَكَ تعليقًا في صفحته، أعرف كيف يستميل القلوب ذاكَ الشَّخصُ الذي يُثيرُ استِهجاني لما فيه مصلحته، أخذت أضرب أخماسًا في أسداسٍ إن كان هذا التعليق عابرًا، أو أنّه شيءٌ يُذكَر. 


حتّى جاء اليوم الذي قال لي زوجي فيه إنّه يرغب في استضافة (فُلان) في المنزل، فعرفته من لقبه، ولأنّ زوجي رجلٌ طيّب، فإنّه لم يعرف معدنه بحسب الظّاهر، قال إنّه ينوي مساعدته في أن يحصل على عملٍ لديه، أجبته بـ: حسنًا. هذا في البداية، ورمقته بنظرةٍ فاحصةٍ إن كان سيخبرني شيئًا، تَرَقَّبتُ أيَّ ملامِحَ غريبة تشي بكشفهِ شيئًا من صفحتي المطويّة، لا شيء، ومن الأساس، أعتقدُ أنّه من المستحيل أنّ (فُلانًا) يتذكّرني أو يتذكّر اسمي، (نادِرَة)؛ لأنّه لا يتذكّر ضحاياه، ولم أكن الوحيدة وقتها. لكنّي أنا تذكّرت صورته التي شاهدتها في حسابه قبل وضعه على وضعيّة الصّمت، - فليخرس للأبد! - لم يغيّرها منذ زمن، إنّه يعيش العمر نفسه، بينما أنا تقدّمت في عمري، ولم تكن حياته جيّدة كما أرى الآن مقارنةً بحياتي المفعمة بالحياة والأنشطة المختلفة.


 لنقل إنّه لم يحالفه الحظّ وحسب، دخل السّجن لمدّة ليست بقصيرة، بقضيّة اختلاس أموال وتزوير تمّ تلبيسها به، فقد كان العنصر الأضعف والأكثر دونيّةً بالطّبع، ولهذا كان لا بُدَّ من شخصٍ يتجَشَّمُ عناء أن يكون كبش الفداء ووجه المدفع في تلك القضيّة، حتّى يفرّ الكبار دون الصّغار، ويُقبَضُ على الشّاةِ دونَ الثَّعْلَب. انطفأ بريقه، لم يحظ بفرص اكتساب خبراتٍ في الحياة، حُبِسَ في منتصفِ العشرينات من عمره، لم يكن سوى شابًّا متهوّرًا لا يُدرِكُ عواقِبَ اختياراته، وعندما عرفت أنّه قد حُبِسَ مأسورًا، كان قلبي وقتها مليئًا بالشَّفَقَةِ كونه مظلومًا بريئًا، لكنَّ هذهِ الشَّفقة لم تغلب على ذاكرتي.
   

ذاكرتي تحتوي العديد، ذاكرتي موبوءةٌ في جانبها المظلم، وأنا أُطفِئ الأنوار بداخلها كي لا أرى شيئًا، منطقة الحياة في الذاكرة عليها أن تُضيء وحدها، كذكرى التقائي بـ(سعيد) وكُلّ ضحكاتي الأولى معه، شجاراتنا الخفيفة حول أيّ نوعٍ من الطّعام سنأكل، وإلى أيّ دولةٍ سنسافر، اللحظات التي يسمح لي فيها فيها العرق عن جبينه، أو أن أختبئ خلفه خوفًا من حشرةٍ مقزّزة، وأشياء كهذه لامعة، برّاقة، كافية أن تشعل النّور في داخلي... أمّا (فُلان) فهو من أعتق منطقةٍ مُظلِمَة، والنّزول بي إلى هُناك يعني لي معانيَ كالخرابِ والسُّخف والعرقلة. غدوتُ أفكّر، ماذا لو شكَّل خطرًا على سيرورة حياتي المطمئنة؟ 


لم يمتلك (فلان) شيئًا يمكنه تحطيمي، بقدر الذكريات التي جمعتنا، الذكريات التي حرصت على جحدها، وقمتُ بدفنها، لم أتفوّه بها لأيّ أحدٍ لكي لا يقف قصبةً في بلعومي يومًا ما! أنا شديدة الحذر، لكنّ هذا لم يكن في مراهقتي المتهوّرة.



"يا نادرة، إنّه فقط يحتاج إلى وظيفةٍ، وأنا رئيس عمل، لديه بعض الظروف".
قالها الرّجل الذي أُحِبّ بلباقته المعتادة، عندما بدأ وجهي يمتقع تدريجيًّا، ونبّهته بأن يحذر، لا يمكنني أن أفعل شيئًا إزاء قلب (سعيد) الرؤوف. 

إن كنت أستطيع أن آتي بالجحيم في منزلي، فليكن، وليدخله. 

"فليذهب إلى الجحيم!" كرّرت بصوتٍ مزدوجٍ بعيدٍ عن أسماع زوجي الذي غادر الغرفة، والذي لا يدّخر جهدًا في توفير غطاء أمانه وحمايته دائمًا منذ أن تقابلنا.. ماذا قال؟ أن أجهّز المنزل؟! لرجلٍ لو عَلِمَ بأنّه سيستضيف رجلًا أساءَ إلى شريكة حياته ذات يوم، لا أعلم ماذا سيفعل. 


قرّرت ألا أجهّز شيئًا، أخبرت (سعيد) بأنّ لديّ مشروعًا جديدًا، قلت له: عليك أن تلتقيه في مقهًى أو مطعمٍ أو ما شابه، لكن ليس منزلي، ولا أعلم لماذا اختار هذا المكان. ولم يكن (فلانًا) يهتمّ كما توقّعت، لا يتذكّر. كان يريد عملًا بالفعل، إلا أنّ زوجي لم يستطع توظيفه في نهاية المطاف، المدير الذي فوقه أخبره بأنّه ليس لديه المعرفة الكافية بطبيعة العمل والتقنيات الإلكترونية الجديدة التي فاته تطويرها بسبب الفترة التي قضاها في سجنه، كما أنّه صاحبُ قضيّةٍ لم تكن سهلة، لكن، انتهى الأمر بأن يكون بستانيًّا لحديقة مبنى الشّركة.


ما أعرفه حتّى الآن، أنّ (فلانًا) لم يقل أيّ شيءٍ يوحي بمعرفته لـ(نادرة) عند (سعيد)، ولم يذكر (سعيد) أيّ شيءٍ بعدها يخصّ (فلانًا) لـ(نادرة)، وكانت الحياة طبيعيّةً تمامًا كما كانت، ولكنّني اليوم أقف منتظرةً على قدميّ، بينما يسير زوجي (سعيد) بابتسامةٍ ساطعةٍ خارجًا من عمله من جهةٍ نحوي، ومن الجهة الأخرى يتخطّى (فلانٌ) مُباغتًا بالقول برحابةٍ وضحكةٍ ساخرة: أهلًا (نادرة). 


الثلاثاء، 16 أبريل 2024

حكاية

منذُ زمنٍ وأنا أسمع الحكاية نفسها من والدي، تكرارًا في مرّاتٍ عدّة، هي الحكاية نفسها التي يرويها في كلِّ مرّةٍ تضيقُ به نفسه، أو يشعر بالسآمة من أن تعتدل أحوال الأمّة بمفردها من دون مُخلِّص، أو ينظر في الأخبار: هنا مزبلة تاريخٍ جديدةٍ متغطرسة، أو هناك دماءٌ وأنفس مقتولة، أو مسلوبة الحياة، أو يوجد دمارٌ وخراب، من دون أيّ صلاح، من دون أيّ نتيجة، وهنا توجد قلوبٌ متفرّقة، تشدّها البغضاء بدلًا من التّقوى.. وأخرى. 


عندما يشعر والدي بالضّجر، أو بالأسى، يُعبّر بالقصّة نفسها، وكأنّها تساوي لديه جدلًا خفيًّا مع ذاته، أو يتمنّى أن تكون النهاية أخرى، أو لربما كان يخفّف على نفسه بهذه الطريقة.


هو يقول: منذ زمنٍ وأنا على علمٍ بذلك، قبل أن تأتي على الدنيا، وأنا أعلم أنّه لن يعتدل شيء في هذه الدّيار، كلّها أزماتٌ ومشكلاتٌ، ولقد ازدادت الوتيرة الآن، في وقتنا الحالي. لقد حاولنا سابقًا بلا فائدةٍ أو نتيجة، وما نزالُ نحاول في زماننا الآن أن نكافح حتى يأتي أمر الله الذي نترقّبه.


 لكنّ الشيطان ما يزال يباغت بني آدم إلى أن يشتّتهم ويمنع بعضهم بعضًا الرّحمة، ويحاول أن يعبث في خطّة خلافة الأرض أو يعطّلها، بشغلٍ شاغل، يُدخلهم النّار التي خُلِقَ من شَبَهها، ويزيد استنقاصًا من التراب الذي خُلقنا منه، فيحوّله رمادًا.



يواصل والدي: لم يكن ارتباطي بوالدتكِ وقتها رغبتي الأولى، كنت أرغب بشدّةٍ في الهجرة إلى بلدٍ آخر، لأنّه... لا ينفع هذا المكان، كنت متوقّعًا أن تزداد الأحوال سوءًا، ويُعاد السيناريو مجدّدًا لكن بصورةٍ أفظع، لم نستطع وقتها أن نفعل شيئًا، أن نجتمع ونلتمّ على قلبٍ واحد. لا شيء أبدًا.  

كانت زيجةً نصحت بها عمّاتكِ لي، بنوعٍ من الإصرار في أن أتزوّج، وكانت خطوات ذلك الزمان سريعة، لم أكن أعرف عن والدتكِ شيئًا، وساعد في اختيارها أنّها كانت ضمن سلسلة رحمٍ قديمةٍ تنسب إلينا. كنت أشعر بالقدر الذي أُسلِّمُ نفسي له وسط الاختيار من نفسي، وأعان القضاء في أن يتحتّم، انخرطت مع هذه الأمور، وتتبّعت الخطوات واحدةً تلو الأخرى، تمّ العقد وكلّ شيء، وجدت نفسي أبتسم للكاميرا التي تلتقط لي صور الزّفاف مرّات.



على كُلٍّ… بعدها، لم يستطع والدي تحقيق رغبته، إطلاقًا...

 كما أنّ والدتي كانت تعمل معلّمةً، ولم تستطع أن تغادر معه، وازداد الأمر تحتّمًا ببقائه مع وجودنا. 

لم يهاجر، بل لم أجده مسافرًا حتّى طوال عمري، وهو يقول إنّه لا يحبّ السفر، ولكنّي أعتقد أنّه يخفي السّبب الحقيقيّ وراء ذلك.

على كلٍّ حال، ربّما يكون من باب الأولويّات التي لم يحتسب السّفر منها مع زيادة المسؤوليات ونقصان الفرص، وربّما أيضًا رأفته الشّديدة أحد الأسباب الوجيهة، على الأقل باعتقادي وحسن ظنّي، لم يكن والدي من النوع الذي يستطع أبدًا يومًا تركنا خلفه، أو تجاهل وجودنا وغضّ الطرف عنّا، فمثلًا عندما كنّا نرغب بالمبيت في منزل جدّتي، كنّا نتمارض لسببٍ غريب، كنت أنا أو إحدى أُختَيّ يصيبها الألم في معدتها وتفرّغها، ولهذا غدا والدي وقتها يماطل في ذلك أو يوافق على مضض. 

ولا حتّى في المنزل نفسه، كان يستصعب أن تبقى إحدانا بمفردها في المنزل أو أن تشعر بالوحشة، كان يرى نفسه الملاذ الآمن، إلى أن يأتي الوقت المناسب لانتهاء مرحلة الشرنقة، أعني الطفولة، فنخرج إلى العالم كفراشاتٍ محلّقة، وبكلّ قوّةٍ وعزيمة. كان هذا دائمًا ما يتمناه، وكان هذا دائمًا ما يحترق لأجله.



كنت إذا أنا وصلت إلى مرحلةِ الاستياء من نفسي أو من حياتي أو من العالم الفاسد الذي أعيش فيه، أتذكّر أيضًا بدوري هذه القصّة، وأضجر أكثر، لأنّه... ربّما لو أنّ والدي حقّق رغبته في الهجرة لم يكن لي وجود، ولا أن أتذمَّر من البيئة نفسها، ولا أن أشعر بمشاعر الاستياء التي شعر بها وأورثني نصيبي منها.

ولم يكن لهذا النصّ أن يُكتَب أيضًا.

تجنّبًا لتكرار القصّة نفسها لأبنائي أو أن يرثوا بدورهم هذه المشاعر، أو أن آتي بهم في خضمّ كلّ هذه الأشياء، فقررت ألا آتي بهم إطلاقًا.

وأيضًا، لم أعرف كيف أتأقلم مع شخصٍ يحمل الأفكار نفسها، الرّغبة نفسها، حلم والدي نفسه، في الوقت الذي أعمل فيه بالوظيفة ذاتها التي كانت تعمل أمي فيها، التفكير باحتماليّة تكرار القصّة أو نمطها، بحدّ ذاته، يمثّل جعجعةً لقلبي، يشعرني بالقلق، على الرّغم من أنّ هناك نصائح كثيرة ممتدّة، يخبرني بها عددٌ من الأشخاص، من بينهم والدي أيضًا، بل حتّى  الكتب التي أقرؤها تخبرني بالنصائح نفسها بصورةٍ مريبة.


 النصائح التي تقول إن حياة الآخرين ليست بالضرورة تكرارًا لحياتنا، وعلينا أن نتعلّم وأن نجرّب، وألّا نخضع لمخاوفنا التي بعضها قد لا تكون مخاوفنا، لربّما نحن موجودون لكسر هذا النّمط، وعيش حياتنا بصورةٍ أكثر تقدّمًا. 


لكنّ الإنسان عدوّ ما يجهل.. هي حكمةٌ أخرى يكرّرها أبي على مسامعي.



وللقدر سلطته، لم أظنّ يومًا أنّ بإمكاني تغيير أيّ شيء، أيّ شيءٍ أبدًا، إن كان سيحدث، منذ البداية لم أختر وجودي بإرادةٍ عقليّةٍ واضحة.. 

ولهذا قرّرتُ حينما بدأت أستوعب الحياة أكثر، إن كان هناك شيءٌ يمكنني تغييره أولًا، فهو أفكاري اتّجاه كلّ هذا. ولقد كانت البذرة عندما قال والدي يومًا سائلًا:

- أتعلمين ما أعظم شيءٍ في الحياة؟

تركته يجيب، فقال: أن تتاح لك الفرصة في الحياة، أعظم شيء في الحياة هو الوجود، لو لم توجد لما كنت ستحظى بفرصة الوصول إلى المقام الذي يتحتّم أن تصل إليه.

مضت الأيام وبقيت هذه البذرة في عقلي، سقيتها مرارًا بشكر الله على نعمة وجودي، حتّى شعرت بالامتنان، وتذوّقت فيها حلاوة مقولة الشّاعر محمود درويش: "ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا".

كان سبيلي هو فكرة الوجود نفسه، ففي النهاية، لو لم يهمل والدي حلمه جانبًا، ربّما لم أكن لأوجد أنا.

وفكّرت حقًّا: لو لم أكن ابنة والدي، لكان هناك شخص آخر بالحكاية نفسها سيكون أبي أيضًا، وهكذا، سأصل في النهاية إلى هذا النصّ. حكاية وجودي مكتوبةٌ ضمن قصصٍ أخرى للخلائق منذ الأزل، وكلّها قصصٌ قصيرة جدًا لا تمثّل شيئًا يُذكَر بالنسبة للكتاب الأعظم عند الله عزّ وجل، وقد تشابكت مع قصّة والدي وآخرين. 




إذن كان لا بدّ أن أوجد، وأن أجد سببًا ما يدفعني للاستمرار دومًا...

فهلّا كنت جزءًا من بقايا قصّتي القادمة؟