منذُ زمنٍ وأنا أسمع الحكاية نفسها من والدي، تكرارًا في مرّاتٍ عدّة، هي الحكاية نفسها التي يرويها في كلِّ مرّةٍ تضيقُ به نفسه، أو يشعر بالسآمة من أن تعتدل أحوال الأمّة بمفردها من دون مُخلِّص، أو ينظر في الأخبار: هنا مزبلة تاريخٍ جديدةٍ متغطرسة، أو هناك دماءٌ وأنفس مقتولة، أو مسلوبة الحياة، أو يوجد دمارٌ وخراب، من دون أيّ صلاح، من دون أيّ نتيجة، وهنا توجد قلوبٌ متفرّقة، تشدّها البغضاء بدلًا من التّقوى.. وأخرى.
عندما يشعر والدي بالضّجر، أو بالأسى، يُعبّر بالقصّة نفسها، وكأنّها تساوي لديه جدلًا خفيًّا مع ذاته، أو يتمنّى أن تكون النهاية أخرى، أو لربما كان يخفّف على نفسه بهذه الطريقة.
هو يقول: منذ زمنٍ وأنا على علمٍ بذلك، قبل أن تأتي على الدنيا، وأنا أعلم أنّه لن يعتدل شيء في هذه الدّيار، كلّها أزماتٌ ومشكلاتٌ، ولقد ازدادت الوتيرة الآن، في وقتنا الحالي. لقد حاولنا سابقًا بلا فائدةٍ أو نتيجة، وما نزالُ نحاول في زماننا الآن أن نكافح حتى يأتي أمر الله الذي نترقّبه.
لكنّ الشيطان ما يزال يباغت بني آدم إلى أن يشتّتهم ويمنع بعضهم بعضًا الرّحمة، ويحاول أن يعبث في خطّة خلافة الأرض أو يعطّلها، بشغلٍ شاغل، يُدخلهم النّار التي خُلِقَ من شَبَهها، ويزيد استنقاصًا من التراب الذي خُلقنا منه، فيحوّله رمادًا.
يواصل والدي: لم يكن ارتباطي بوالدتكِ وقتها رغبتي الأولى، كنت أرغب بشدّةٍ في الهجرة إلى بلدٍ آخر، لأنّه... لا ينفع هذا المكان، كنت متوقّعًا أن تزداد الأحوال سوءًا، ويُعاد السيناريو مجدّدًا لكن بصورةٍ أفظع، لم نستطع وقتها أن نفعل شيئًا، أن نجتمع ونلتمّ على قلبٍ واحد. لا شيء أبدًا.
كانت زيجةً نصحت بها عمّاتكِ لي، بنوعٍ من الإصرار في أن أتزوّج، وكانت خطوات ذلك الزمان سريعة، لم أكن أعرف عن والدتكِ شيئًا، وساعد في اختيارها أنّها كانت ضمن سلسلة رحمٍ قديمةٍ تنسب إلينا. كنت أشعر بالقدر الذي أُسلِّمُ نفسي له وسط الاختيار من نفسي، وأعان القضاء في أن يتحتّم، انخرطت مع هذه الأمور، وتتبّعت الخطوات واحدةً تلو الأخرى، تمّ العقد وكلّ شيء، وجدت نفسي أبتسم للكاميرا التي تلتقط لي صور الزّفاف مرّات.
على كُلٍّ… بعدها، لم يستطع والدي تحقيق رغبته، إطلاقًا...
كما أنّ والدتي كانت تعمل معلّمةً، ولم تستطع أن تغادر معه، وازداد الأمر تحتّمًا ببقائه مع وجودنا.
لم يهاجر، بل لم أجده مسافرًا حتّى طوال عمري، وهو يقول إنّه لا يحبّ السفر، ولكنّي أعتقد أنّه يخفي السّبب الحقيقيّ وراء ذلك.
على كلٍّ حال، ربّما يكون من باب الأولويّات التي لم يحتسب السّفر منها مع زيادة المسؤوليات ونقصان الفرص، وربّما أيضًا رأفته الشّديدة أحد الأسباب الوجيهة، على الأقل باعتقادي وحسن ظنّي، لم يكن والدي من النوع الذي يستطع أبدًا يومًا تركنا خلفه، أو تجاهل وجودنا وغضّ الطرف عنّا، فمثلًا عندما كنّا نرغب بالمبيت في منزل جدّتي، كنّا نتمارض لسببٍ غريب، كنت أنا أو إحدى أُختَيّ يصيبها الألم في معدتها وتفرّغها، ولهذا غدا والدي وقتها يماطل في ذلك أو يوافق على مضض.
ولا حتّى في المنزل نفسه، كان يستصعب أن تبقى إحدانا بمفردها في المنزل أو أن تشعر بالوحشة، كان يرى نفسه الملاذ الآمن، إلى أن يأتي الوقت المناسب لانتهاء مرحلة الشرنقة، أعني الطفولة، فنخرج إلى العالم كفراشاتٍ محلّقة، وبكلّ قوّةٍ وعزيمة. كان هذا دائمًا ما يتمناه، وكان هذا دائمًا ما يحترق لأجله.
كنت إذا أنا وصلت إلى مرحلةِ الاستياء من نفسي أو من حياتي أو من العالم الفاسد الذي أعيش فيه، أتذكّر أيضًا بدوري هذه القصّة، وأضجر أكثر، لأنّه... ربّما لو أنّ والدي حقّق رغبته في الهجرة لم يكن لي وجود، ولا أن أتذمَّر من البيئة نفسها، ولا أن أشعر بمشاعر الاستياء التي شعر بها وأورثني نصيبي منها.
ولم يكن لهذا النصّ أن يُكتَب أيضًا.
تجنّبًا لتكرار القصّة نفسها لأبنائي أو أن يرثوا بدورهم هذه المشاعر، أو أن آتي بهم في خضمّ كلّ هذه الأشياء، فقررت ألا آتي بهم إطلاقًا.
وأيضًا، لم أعرف كيف أتأقلم مع شخصٍ يحمل الأفكار نفسها، الرّغبة نفسها، حلم والدي نفسه، في الوقت الذي أعمل فيه بالوظيفة ذاتها التي كانت تعمل أمي فيها، التفكير باحتماليّة تكرار القصّة أو نمطها، بحدّ ذاته، يمثّل جعجعةً لقلبي، يشعرني بالقلق، على الرّغم من أنّ هناك نصائح كثيرة ممتدّة، يخبرني بها عددٌ من الأشخاص، من بينهم والدي أيضًا، بل حتّى الكتب التي أقرؤها تخبرني بالنصائح نفسها بصورةٍ مريبة.
النصائح التي تقول إن حياة الآخرين ليست بالضرورة تكرارًا لحياتنا، وعلينا أن نتعلّم وأن نجرّب، وألّا نخضع لمخاوفنا التي بعضها قد لا تكون مخاوفنا، لربّما نحن موجودون لكسر هذا النّمط، وعيش حياتنا بصورةٍ أكثر تقدّمًا.
لكنّ الإنسان عدوّ ما يجهل.. هي حكمةٌ أخرى يكرّرها أبي على مسامعي.
وللقدر سلطته، لم أظنّ يومًا أنّ بإمكاني تغيير أيّ شيء، أيّ شيءٍ أبدًا، إن كان سيحدث، منذ البداية لم أختر وجودي بإرادةٍ عقليّةٍ واضحة..
ولهذا قرّرتُ حينما بدأت أستوعب الحياة أكثر، إن كان هناك شيءٌ يمكنني تغييره أولًا، فهو أفكاري اتّجاه كلّ هذا. ولقد كانت البذرة عندما قال والدي يومًا سائلًا:
- أتعلمين ما أعظم شيءٍ في الحياة؟
تركته يجيب، فقال: أن تتاح لك الفرصة في الحياة، أعظم شيء في الحياة هو الوجود، لو لم توجد لما كنت ستحظى بفرصة الوصول إلى المقام الذي يتحتّم أن تصل إليه.
مضت الأيام وبقيت هذه البذرة في عقلي، سقيتها مرارًا بشكر الله على نعمة وجودي، حتّى شعرت بالامتنان، وتذوّقت فيها حلاوة مقولة الشّاعر محمود درويش: "ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا".
كان سبيلي هو فكرة الوجود نفسه، ففي النهاية، لو لم يهمل والدي حلمه جانبًا، ربّما لم أكن لأوجد أنا.
وفكّرت حقًّا: لو لم أكن ابنة والدي، لكان هناك شخص آخر بالحكاية نفسها سيكون أبي أيضًا، وهكذا، سأصل في النهاية إلى هذا النصّ. حكاية وجودي مكتوبةٌ ضمن قصصٍ أخرى للخلائق منذ الأزل، وكلّها قصصٌ قصيرة جدًا لا تمثّل شيئًا يُذكَر بالنسبة للكتاب الأعظم عند الله عزّ وجل، وقد تشابكت مع قصّة والدي وآخرين.
إذن كان لا بدّ أن أوجد، وأن أجد سببًا ما يدفعني للاستمرار دومًا...
فهلّا كنت جزءًا من بقايا قصّتي القادمة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق