الأربعاء، 1 مايو 2024

إشارتان، وتدخُّلٌ سريع!


وضعت كوب الشّاي الزّجاجيّ الصّغير على صحنه الدّائري، وقلت: أعتقد أنّني قد أخذت صورةً عامّةً من خلال أسئلتي. هل لديك سؤالٌ آخر؟

أجاب الرّجل بأريحيّة: حسنًا، وأعتقد أنّ لديّ الأمر نفسه من جهتي، إلا أنّني أرغب في طرح سؤالٍ أخير: ما أهدافكِ على مدى عشر سنوات؟

عشر سنوات؟ ألا يُفترض أن تكون أهدافي هي نفسها الأهداف التي يرجو أن يحقّقها الجميع؟ يؤطّرونها بعبارة "تحقيق النجاح" في هذا وذاك و…

في الحقيقة لديّ أحلام أسعى لجعلها واقعًا، أكثر من كونها أهدافًا أسعى لتحقيقها، وهنا مكمن الخلل في حياتي، أنّني لا أعرف حقّ المعرفة ما أريده، لفظ الأحلام أقلّ خطورةً في وقعه، فإذا لم يتحوّل الحلم إلى حقيقة، فإنّه يبقى مجرّد حلم، لكنّ الهدف إذا لم يُصاب فإنّه عبارةٌ عن فشل.


قبل عشر سنواتٍ من الآن، بينما كنت في العشرين من عمري، كان لديّ حلمٌ أو هدفٌ، أيّهما أقرب. كنت أخبر نفسي: "الحياة قصيرة. أن أكمل دراستي، وأقرأ كتبا كثيرة،  وأجد بعض الأصدقاء، وأن يكون لي طفل مهذب أحب أباه. هذا فقط ما كان يجعلها تتمدد بالنسبة إلي."


أجبت الرّجل بغموض: هدفي الوحيد أن أجعل الحياة تتمدّد.

ابتسم بلياقة، كأنّه فَهِم، لم يعلّق.

فكّرت قبل أن أغادر الغرفة: إنّه لا يثير إزعاجي، ليس شخصًا فظًّا، تتناسق أفكارنا خلال ما أظهره قبل قليل، إجاباته كلّها واضحة ومتّزنة، تعكس شخصًا جديرًا بالاهتمام، ومن الممكن أن يكون شريكًا جيدًا، سيحفظني غالبًا. 


ساعةٌ واحدةٌ مع شخصٍ جيّد، ليست بالضرورة كافيةً لمنحه رخصة البقاء مدى الحياة..

ومع ذلك، أعتقد أنّي سأوافق هذه المرّة. بالفعل سأوافق! 

فكّرت في ذلك وأنا أستئذن الخروج، وقفت وخطوت بعض خطوات، نظرت بغيرٍ قصدٍ نحو حذائي، اللعنة! إنّه حذاءٌ جديد، لقد سقطت  الزّهرة التي تزين الفردة اليمنى. ربّما سقطت أسفل المقعد.


بينما أغلق الباب خلفي، عَلِقَ كمّ عباءتي المنسدل بالقبضة سهوًا، أحرّره بابتسامةٍ بلهاء، كي أغلقه بهدوء مرتبك، بينما أستمع إلى حديث بعض النّساء اللاتي أتين مع الرّجل، يخاطبن والدتي بلسانٍ عذوب، وقد أحصين الوقت الذي قضيناه، هي لم تكن ساعةً بتوقيتهن، بل ساعتان إلا ربعًا.


أدير ظهري إلى باب الغرفة، المجلس الذي لم أدخله لخطبةٍ تقليديّةٍ منذ أربع سنواتٍ إلا ربعًا. تحاول النساء المعدودات القلّة أن تستشفن موافقتي من عدمها من خلال وجهي، نظرت إلي إحدى أخواته، وقبل أن أبادلها النّظرة، رأيت غمامةً أمام عينيّ.


شعرت بصداعٍ في رأسي، وقلبي خفق بشدّة، يتبعه دوار جعل قدمَيّ تترادفان في خطواتها نحو أقرب مقعد، آخر ما سمعته هو اسمي.


ذهبت في غيبوبة قصيرة واستيقظت، شخّصها الطّبيب فيما بعد بأنّه إجهادٌ عصبيّ، غالبًا سببه قلّة نومي، وعدم تناولي الكافي للطّعام، في مقابل ارتفاع نسبة الكافيين، وهو محقٌّ في كلّ ما ذكره، فمنذ أسبوع وشهيّتي مفقودة، وأستيقظ مرارًا وتكرارًا خلال النّوم، هذا إن نمت حقًّا! فضلًا عن إسرافي في تعويض ذلك بشرب القهوة والشّاي أكثر من اللازم، كما أنّ عملي يتطلّب استعمال الحاسوب بكثرة، وهو مرهقٌ للأعصاب. 


بعد خروجي، رددت بالرّفض على عائلة الرّجل.

إشارتان كانتا تحاولان إيقافي، وعندما لم يفد ذلك، تدخّلت روحي تدخُّلًا سريعًا بأن تعلنها وبشكلٍ حاد: لا! تعطّلت عن العمل فجأة، هذا لم يحدث مسبقًا طوال حياتي! أن أسقط…

ولقد كانت تحاول إيصال ذلك في أسبوعٍ كامل: هذا ليس ما نرغب فيه يا فتاة! ليس هذا طريقنا!

لكنّ الطريق الذي تحاول روحي دفعي باتّجاهه لا أشعر بأنّه يناسبني غالبًا! لطالما رأيته مسدودًا، لا يمكنني اقتحامه، يشعرني بالهول.


وما ترغب فيه.. هو شخصٌ تحبّه، يكون والد الطّفل المهذّب الذي تودّ إنجابه لاحقًا.


لكنّ شخصًا كهذا صار بمثابة الميت؛ كلاهما لا أمل فيه.

فلماذا اختارت روحي أن تتصنّع موتها هي الأخرى، ولو مؤقتًا؟ فقط لكي تقول: لا؟ لكي تعلن صوت حياتها لاحقًا؟


على كُلٍّ، ها قد استيقظت، وهذا هو المهمّ الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق