يعيد ماجد ترتيب طاولة المكتب في شقّته، وقد بلغ في ذلك المرّة الرّابعة لهذا اليوم، وخلال المرّات الأربع قد يفعل هذا وذاك، مثلًا: يزيح حامل كوب القهوة المزركش، يضع الكتب المبعثرة فوق بعضها، يصنّف الأوراق المتراكمة في الملفات كما كانت، يحرّك حاسوبه المحمول بضعة سانتيمترات، يُغلِقُ بوابة الطّابعة الإلكترونيّة، يفتح النّافذة ويلقي بفتات الفطائر على الطّبق الورقي الخاصّ بالحمائم أسفل الجدار، يمسح اللاشيء من أعلى الطاولة لأنه يعتقد أنها مُغبرة، يرشّ معطّرًا لتلطيف الجوّ برائحة النّسيم، وهكذا.
ماجد منظّمٌ غالبًا، وهو ذكيّ غالبًا، وبالمقابل: منعزلٌ كثيرًا.
يجيد ماجد الرّسم والخطّ العربيّ، تراه يمزج بين الأحرف والسّطور، ويلوّن بالألوان السّاحرة المتمازجة بشكلٍ متناسق، لديه تلك اليد البارعة المتفنِّنة، يمسك الفراشي كما لو كان يعزف على الورق، أو يحرّكها كما تحرّك رياح الصيف الماءَ منسابًا بنسماتٍ رقيقة، كانت لوحاته تعكس الأناقة بداخله، والجمال الذي في قلبه، كان لا يفضِّل بيعها، ولا المشاركة في عرضها للعلن في المعارض أو ما شابه.
أكثر ما يستهويه هو القراءة.. يملأ عقله يوميًّا بالصّفحات، يغرق فيها، يندهش من المعلومات التي تختزنها، يسافر في أرجائها، ينتقدها، يتخيّل كتّابها يجلسون معه في جلسةٍ فكريّة ناضجة، يسمع أصواتهم في عقله، ويعيش أجواءها، يتقمّص أدوارها أحيانًا، ينوّع بين زيارة المعارف أو طرق باب الأدب، وكلّما انتهى من كتابٍ اشترى بدلًا منه آخر، وهكذا…
كانت هذه حياته الوحيدة، الأصيلة، بالنّسبة إليه، بالرّغم من وجود حياةٍ أخرى تنتظره بخارج غرفته.
كلّما تضايق ماجد يجد نفسًا مخيّرًا بين أمرين: أن يرسم، أو أن يقرأ. فإذا أراد سكب أفكاره أمسك الألوان وحوّلها فكرةً فنيّة، وإذا شعر بجفاف ذهنه وخوائه وتبلّده، استعان بالكتب واستزاد منها ما يشاء.
أما عن الحياة الأخرى الواقعيّة، فلا.
لم يستعمل ماجد الترتيب خيارًا ثالثًا، لكنّه هذه المرّة، مشوَّش، سيستقبل شخصًا جديدًا في هذا المكان، وهذا الشّخص ليس كأيّ شخص. بل هو امرأة.
اكتشفت نجوى موهبة ماجد بالمصادفة، في أثناء صمته سارحًا في مقرّ العمل، أي في شركةٍ يعملان فيها فيما يخصّ تدقيق بعض الحسابات وما شاكل ذلك، كانت تناديه ثلاث مرّاتٍ ولم يجبها، هي المتدرّبة الجديدة التي عليه أن يراجع دقّة عملها ويقيّمها، وكان مستاءً من ضغط العمل على كلّ حال، ينتظر يوميًّا أن تدقّ السّاعة الثالثة كي يفرّ إلى مأواه: غرفة الرّسم والقراءة.
بعد النّداءات الثلاثة كانت متحيّرة، اقتربت قليلًا فإذا بها تقبض عليه متلبِّسًا يخطّ عبارةً بالقلم الذي يحمله، على نصف ورقةٍ اقتطعها، وقد راق لها ذلك المشهد.
روح نجوى ليس صاخبةً على كلٍّ، تمتلك وحسب ابتسامةً جذّابة، وماجد لا يعلم كيف قَبِلَ بأن تشاهد أعماله الفنيّة في شقّته، وها هو الآن واقعٌ في التَشويش.
كيف قَبِلَ استضافة شخصٍ إلى عالمه الخاصّ؟ أراد أن يتّصل ملغيًا الموعد، لكنّه ما بين تردّدٍ وتردّدٍ آخر…انتهى به الحال يسمع صوت الجرس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق