السبت، 20 أبريل 2024

الذّاكرة...



"فليذهب إلى الجحيم!".

ذات يومٍ بُحت بها وأنا أنظر في الاسم الذي ظهر أمامي عبر الشّاشة، وكيف أنّ لعبة الزّمن قد امتدّت لكي أرى كيف أنّ الشّخص نفسه يظهر فجأةً أمامي، ما بين فترةٍ وأخرى، على الرّغم من أنّي قد ضغطت على زرّ الصّامت الذي يمنع أن أشاهد أيّ صورةٍ أو كلامٍ يكتبه في هذا البرنامج، ليس لأني أكرهه، ولكنّي لا أحبّ مشاهدته حقًّا، ذلك يثير إزعاجي وحسب، لقد تغيّرت حياتي على كلِّ حال، وغدوت مهندسةً مذهلةً، يتفاءل بي القاصي والداني، وذات علاقاتٍ اجتماعيّةٍ رائعة، وشخصيّةٍ يفخرُ بها من حولها، كبلّورةٍ مصقولةٍ، أو لؤلؤةٍ مُزدانة، بخطواتٍ متقدّمة على طريق هذه الحياة.


يدعمني الآن رجلٌ آخر، بالنّسبة إليَّ كان الحبّ الهائل، الرُّخامَةُ التي أتَّكِئُ عليها،و السَّنَدُ الوحيد، شريك الحياة الذي لا ينتمي إلى سراديب الذّاكرة، بل يمتلك قصورها بأكملها، ليس بخارج قلبي بل مُطْبِقٌ عليه.
هذه المرة كانت الأسوأ، ليس لسببٍ يخصّني، إنّما هذه المرّة، شعرت بالاشمئزاز من كونهما قد التقيا على صفحةٍ واحدة، على وجه المصادفة، كيف؟ لا أعلم! هي لعبة الزّمن كما قُلت. الاسم الذي ظهر في الشّاشة كنتُ أعرف نوع خداعه، هذهِ المرّة كانَ صاحبي الأليف من تَرَكَ تعليقًا في صفحته، أعرف كيف يستميل القلوب ذاكَ الشَّخصُ الذي يُثيرُ استِهجاني لما فيه مصلحته، أخذت أضرب أخماسًا في أسداسٍ إن كان هذا التعليق عابرًا، أو أنّه شيءٌ يُذكَر. 


حتّى جاء اليوم الذي قال لي زوجي فيه إنّه يرغب في استضافة (فُلان) في المنزل، فعرفته من لقبه، ولأنّ زوجي رجلٌ طيّب، فإنّه لم يعرف معدنه بحسب الظّاهر، قال إنّه ينوي مساعدته في أن يحصل على عملٍ لديه، أجبته بـ: حسنًا. هذا في البداية، ورمقته بنظرةٍ فاحصةٍ إن كان سيخبرني شيئًا، تَرَقَّبتُ أيَّ ملامِحَ غريبة تشي بكشفهِ شيئًا من صفحتي المطويّة، لا شيء، ومن الأساس، أعتقدُ أنّه من المستحيل أنّ (فُلانًا) يتذكّرني أو يتذكّر اسمي، (نادِرَة)؛ لأنّه لا يتذكّر ضحاياه، ولم أكن الوحيدة وقتها. لكنّي أنا تذكّرت صورته التي شاهدتها في حسابه قبل وضعه على وضعيّة الصّمت، - فليخرس للأبد! - لم يغيّرها منذ زمن، إنّه يعيش العمر نفسه، بينما أنا تقدّمت في عمري، ولم تكن حياته جيّدة كما أرى الآن مقارنةً بحياتي المفعمة بالحياة والأنشطة المختلفة.


 لنقل إنّه لم يحالفه الحظّ وحسب، دخل السّجن لمدّة ليست بقصيرة، بقضيّة اختلاس أموال وتزوير تمّ تلبيسها به، فقد كان العنصر الأضعف والأكثر دونيّةً بالطّبع، ولهذا كان لا بُدَّ من شخصٍ يتجَشَّمُ عناء أن يكون كبش الفداء ووجه المدفع في تلك القضيّة، حتّى يفرّ الكبار دون الصّغار، ويُقبَضُ على الشّاةِ دونَ الثَّعْلَب. انطفأ بريقه، لم يحظ بفرص اكتساب خبراتٍ في الحياة، حُبِسَ في منتصفِ العشرينات من عمره، لم يكن سوى شابًّا متهوّرًا لا يُدرِكُ عواقِبَ اختياراته، وعندما عرفت أنّه قد حُبِسَ مأسورًا، كان قلبي وقتها مليئًا بالشَّفَقَةِ كونه مظلومًا بريئًا، لكنَّ هذهِ الشَّفقة لم تغلب على ذاكرتي.
   

ذاكرتي تحتوي العديد، ذاكرتي موبوءةٌ في جانبها المظلم، وأنا أُطفِئ الأنوار بداخلها كي لا أرى شيئًا، منطقة الحياة في الذاكرة عليها أن تُضيء وحدها، كذكرى التقائي بـ(سعيد) وكُلّ ضحكاتي الأولى معه، شجاراتنا الخفيفة حول أيّ نوعٍ من الطّعام سنأكل، وإلى أيّ دولةٍ سنسافر، اللحظات التي يسمح لي فيها فيها العرق عن جبينه، أو أن أختبئ خلفه خوفًا من حشرةٍ مقزّزة، وأشياء كهذه لامعة، برّاقة، كافية أن تشعل النّور في داخلي... أمّا (فُلان) فهو من أعتق منطقةٍ مُظلِمَة، والنّزول بي إلى هُناك يعني لي معانيَ كالخرابِ والسُّخف والعرقلة. غدوتُ أفكّر، ماذا لو شكَّل خطرًا على سيرورة حياتي المطمئنة؟ 


لم يمتلك (فلان) شيئًا يمكنه تحطيمي، بقدر الذكريات التي جمعتنا، الذكريات التي حرصت على جحدها، وقمتُ بدفنها، لم أتفوّه بها لأيّ أحدٍ لكي لا يقف قصبةً في بلعومي يومًا ما! أنا شديدة الحذر، لكنّ هذا لم يكن في مراهقتي المتهوّرة.



"يا نادرة، إنّه فقط يحتاج إلى وظيفةٍ، وأنا رئيس عمل، لديه بعض الظروف".
قالها الرّجل الذي أُحِبّ بلباقته المعتادة، عندما بدأ وجهي يمتقع تدريجيًّا، ونبّهته بأن يحذر، لا يمكنني أن أفعل شيئًا إزاء قلب (سعيد) الرؤوف. 

إن كنت أستطيع أن آتي بالجحيم في منزلي، فليكن، وليدخله. 

"فليذهب إلى الجحيم!" كرّرت بصوتٍ مزدوجٍ بعيدٍ عن أسماع زوجي الذي غادر الغرفة، والذي لا يدّخر جهدًا في توفير غطاء أمانه وحمايته دائمًا منذ أن تقابلنا.. ماذا قال؟ أن أجهّز المنزل؟! لرجلٍ لو عَلِمَ بأنّه سيستضيف رجلًا أساءَ إلى شريكة حياته ذات يوم، لا أعلم ماذا سيفعل. 


قرّرت ألا أجهّز شيئًا، أخبرت (سعيد) بأنّ لديّ مشروعًا جديدًا، قلت له: عليك أن تلتقيه في مقهًى أو مطعمٍ أو ما شابه، لكن ليس منزلي، ولا أعلم لماذا اختار هذا المكان. ولم يكن (فلانًا) يهتمّ كما توقّعت، لا يتذكّر. كان يريد عملًا بالفعل، إلا أنّ زوجي لم يستطع توظيفه في نهاية المطاف، المدير الذي فوقه أخبره بأنّه ليس لديه المعرفة الكافية بطبيعة العمل والتقنيات الإلكترونية الجديدة التي فاته تطويرها بسبب الفترة التي قضاها في سجنه، كما أنّه صاحبُ قضيّةٍ لم تكن سهلة، لكن، انتهى الأمر بأن يكون بستانيًّا لحديقة مبنى الشّركة.


ما أعرفه حتّى الآن، أنّ (فلانًا) لم يقل أيّ شيءٍ يوحي بمعرفته لـ(نادرة) عند (سعيد)، ولم يذكر (سعيد) أيّ شيءٍ بعدها يخصّ (فلانًا) لـ(نادرة)، وكانت الحياة طبيعيّةً تمامًا كما كانت، ولكنّني اليوم أقف منتظرةً على قدميّ، بينما يسير زوجي (سعيد) بابتسامةٍ ساطعةٍ خارجًا من عمله من جهةٍ نحوي، ومن الجهة الأخرى يتخطّى (فلانٌ) مُباغتًا بالقول برحابةٍ وضحكةٍ ساخرة: أهلًا (نادرة). 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق