السبت، 10 نوفمبر 2018

انطوائي.


انطوائي.


          كيف يستطيع الأبكم أن يعيش من دون أن يتحدّث؟ أن يعيش من دون أن يخبر أحدًا بكلماته عن شعوره الدّاخلي السّعيد أو التّعيس؟ كيف يمكنه أن يتكيّف مع الصّمت عن الأحداث الصّغيرة التي يمرّ بها؟ بل كيف يكتفي بالتعبير بملامحه أو بإشاراته من دون أن ينطق ببنت شفةٍ واحدة تعبّر عن الامتنان مثلًا أو الأسى أو الأسف أو الإعجاب؟ مثل هذه التساؤلات قد شغلتني. قبل مدّةٍ أخبرني زميلٌ معاتبًا: لماذا تبدو غالبًا كأبكم؟ لا تتحدّث كثيرًا ولا تأتي للخروج معنا؟ لماذا أنت هادئٌ ومنعزلٌ إلى هذه الدرجة؟ فكّرت لمدّة ستّ ثوانٍ تقريبًا إذا ما كنت كذلك. ابتسمت، وبعد ذلك أجبته: لا أفضّلُ الحديث كثيرًا، خاصّةً عندما أركّز في عملي، ولديّ ما أفعله. فيما بعد كان كلُّ واحدٍ منّا في عمله المعتاد في القسم. كنت مشغولًا في تدقيق المقالات التي ستُنشَر غدًا في الجريدة، وكان هو مشغولًا بإعادة صياغة بعض الأخبار الاقتصاديّة أو تنظيم صياغتها على الأقلّ.

          في الحقيقة، بدأت العمل في جريدة (الأمل) في قسم التّدقيق اللّغويّ منذ بضعة أشهر، على الرّغم من أنّني مجرّد خرّيجٍ من كليّة الآداب من قسم علم النّفس بالجامعة، فضلًا عن أنّي كنتُ هاويًا ممتازًا للقراءة، ومحبًّا شغوفًا بالكتابة. لعلّي كنت محظوظًا باجتيازي امتحان القبول الخاصّ بهذا القسم هنا، بعد عجزي عن الحصول على عملٍ يناسب التخصّص الذي أصبحت شهادتي منه، أو يناسبني تحديدًا. أتذكّر أنّني في إحدى المرّات حاولت أن ألتحق بأحد المراكز التي تختصّ بالاستشارات النفسيّة الاجتماعيّة، سألني أحد المقابلين بما يشبه الحنق: كيف ستستطيع أن تنصح الآخرين من دون أن تتحدّث معهم بما فيه الكفاية؟ أجبته بأنّ هذا العمل يتطلّب الإنصات أكثر من حاجته للكلام، لكنّه لم يقتنع بالطّبع – أنا أيضًا لم أكن لأقتنع لو كنت مكانه –، بل أجاب: وإذا ما كان أحدهم من النّوع قليل الكلام مثلك، منطويًا على ذاته، هل ستغرقان معًا في صمت؟ حينها أنا الذي صمتت عن الإجابة.

          كان عدم دفاعي عن نفسي عادةً اكتسبتها منذ زمنٍ، وشجّعني على مواصلة هذه العادة أنّني قرأت يومًا قبل بداية سنتي الأولى في الجامعة – أنّ على الإنسان أن يدّخر طاقته بدلًا من إهدارها واستهلاكها في الوضع الدّفاعيّ، وأنّ عليه أن يتخلّى عن الحاجة إلى إقناع الآخرين بوجهة نظره. ومع أنّني داخليًّا كنت لا أوافق الكاتب، أو ربّما لم أفهم قصده تمامًا؛ لأنّ الناس من وجهة نظرٍ واقعيّة يريدون أن يسمعوا أحيانًا دفاعك، أن تخبرهم لماذا فعلت هذا أو لماذا لم تفعل ذاك، أن يعرفوا رأيك بالأمور الخاصّة أو العامّة، أن يتفهّموك بالشّكل الصّحيح من دون لبسٍ أو خطأ. على الرّغم من ذلك كلّه – كنت قد وجدته مبرّرًا يتوافق مع عادتي هذه، فتمسّكت به، ولم أدافع عن نفسي في تلك المقابلة.

كذلك لم أدافع عن نفسي أيضًا حينما قالت لي ليلى بغضب: كيف ستتمكّن مستقبلًا من أن تعالج مشكلات الآخرين النّفسيّة وأنت عاجزٌ عن معالجة نفسك؟! لم أقل لها إنّني بحثت كثيرًا عن الإجابة التي أستطيع بها أن أحلّ مشكلتي، لم أذكّرها بتلك العبارة التي تقول إنّ بائع الأزهار يكون هو الآخر سعيدًا حينما يُهدى وردة، لم أخبرها بأنّ اختياري لتخصّصي كان من أجل نفسي في المقام الأوّل. – كانت ليلى صديقةً مع أنّني نادرًا ما أعقد صداقات، وبالذّات مع الجنس الآخر. هل قلت صديقةً مقرّبة؟ هل كانت حقًّا صديقةً أم كانت أقلّ من ذلك؟ هل كانت الوحيدة التي ألقت إليّ حبلًا أو طوق نجاةٍ لمساعدتي؟ هل كانت مساعدتها لي بدافع الاهتمام كما ادّعت؟ ربّما كان ذلك صحيحًا، نعم ربّما كان، لكنني اكتشفت مع الوقت بأنّي مجرّد تطبيقٍ عمليٍّ وفأر تجاربٍ ممتازٍ لما كانت تدرسه وتعمل عليه مقدّمًا من أجل بحث تخرّجها عن الانطوائيّة؛ فلقاءاتنا كانت أشبه ما يكون بالجلسات النفسيّة، بل حتّى أحاديثنا الشّخصيّة لم تكن من أجل التّعارف كما كانت تقول، ولم أكن مثيرًا للإعجاب من كثرة التهامي للكتب الدّراسيّة وغموضي الخفيّ. – عندما قالت عبارتها تلك أيضًا لم أخبرها بأنّني غاضب، وأنّه لم يعدّ يهمني إن كانت مشاعرها نحوي قد تبدّلت إلى ما يشبه الحبّ والألفة، وأنّه لم يفدني اعترافها واعتذارها أبدًا. كنت أريد أن أشرح ليها كيف كان شعوري رهيبًا، وأن أسألها بكلّ سخريّةٍ إن كان غضبها هذا بسبب إخفاقها في محاولة تغييري وبالتالي فشل مشروعها! كان غضبي في الأصل يظهر في وجهي وفي لغة جسدي. شربت كأس الماء الموضوع على الطاولة، وكأنّي أردتُ بشدّةٍ أن أبتلع الكلمات التي تحشرجت في حلقي بعد أن عجزت عن إخراجها، ثمّ وقفت وأعدت الكأس بقوّةٍ مصدرًا صوتًا مزعجًا على الطاولة حتّى ظننت أنّه كاد ينكسر. غادرت، ثمّ انقطعت علاقتي بليلى نهائيًّا مُخَلِّفةً مزيدًا من الانطوائيّة في تلك الفترة بالطبع!

لم أكن بحاجةٍ إلى حبلٍ أو طوق نجاة، بقدر ما كنت أحتاج إلى يد.

هل شعر أحدكم يومًا بأنّه عالقٌ وحده في جزيرةٍ منعزلةٍ لا يفكّر أحدٌ باكتشافها ويكتفي بالمرور عليها؟ أو بأنّ هناك حاجزًا زجاجيًّا يفصل بينه وبين عالمه؟ أو مثلًا بأنّه يتخبّط غرقًا بلا طوق نجاةٍ وحده؟ هل شعر أحدكم يومًا بأنّ ظهره منحنٍ قليلًا لأنّه وحيدٌ جدًّا؟ بأنّ قلبه ممتلئ بالكلام وعقله فارغ من الكلمات في الوقت نفسه؟ وبأنّه يفيض حزنًا أكثر كلّما عجز عن التعبير أمام شخصٍ ما بما يكفي؟ هكذا كنت أعاني من الدّاخل. حسنًا في الحقيقة لم أعد بالخيبة من تخصّصي الجامعي في محاولة إنقاذ ذاتي؛ فقد شعرت بأنّني أفهم نفسي أكثر، ولذا حاولت مرّاتٍ عدّة أن أتكلّم بحريّة وأن أكتسب بعض الأصدقاء – أو العلاقات الاجتماعيّة على الأقل –، وأصبحت أعبّر أحيانًا عمّا يخطر بعقلي، وأجيب عن الأسئلة التي تدور حولي، ومارست الكتابة بحبٍّ وشغفٍ أيضًا. لكنّني في نهاية المطاف لم أتخلّص من المشكلة تمامًا، فما أزال – كما أجبت عن زميلي في العمل – لا أفضّلُ الحديث كثيرًا، خاصّةً عندما أركّز في عملي، ولديّ ما أفعله.

بالمناسبة، يتهامس البعض أو يتحدّث من خلفي عندما أقول إنّ لدي ما أفعله في المنزل. مرّةً أخذني أحدهم بجانبٍ وأخبرني أنّهم يتساءلون عمّا إذا ما كنت مشغولًا حقًّا أم أنّني أتهرّب منهم. الأوّل: عبدالله، يقول إنّني أخاف من صرف نقودي، أو بخيلٌ لا يريد أن يضطرّ للدّفع بدلًا من زملائه يومًا. الثّاني: جهاد، يقول إنّ دراستي ربّما أثّرت في صحّتي العقليّة. الثّالث: داود، يقول إنّني لا أحبّه شخصيًّا ولذلك لا أذهب معهم. الرابع – وهو ذلك الـ(أحدهم) –: بدر، يقول إنّني ربّما كنت معذورًا حقًّا ولديّ ما أفعله. يجيبه عبدالله: وما الّذي يشغله وهو لا يملك زوجةً وأبناء أو إخوةً صغارًا على أقلّ تقدير؟ يوافقه جهاد الرأي ويقول: نحن فينا المتزوّج والأعزب ومع ذلك نخرج معًا كزملاء عملٍ بين فترةٍ وأخرى، إنّه يتحجّج ويتجنبنا. يقول بدر: ربّما ما يزال غير معتادٍ علينا فهو جديدٌ في القسم تقريبًا، لم يصل إلا منذ ثلاثة أشهر ونصف، أو ربّما بالفعل لديه بعض الأعباء الخاصّة. يصرّ داود أخيرًا قائلًا: بل هو لا يرتاح إليّ والتّعامل معي، أنا أعرف ذلك، لا بدّ أنّه منزعجٌ منّي خاصّةً بعد المرّة الّتي استلم فيها عملًا إضافيًّا عندما كنت غائبًا ذات يوم. فيردّ بدر عليه: بل هو هكذا مع الجميع، ثمّ إنّه في يومٍ غيابك قرّر بنفسه باختياره لا بالإجبار أن يستلم النّصوص التي كان من المفترض أن تقوم بها. كانت ردّة فعلي بأنّني تبسّمت ضاحكًا من قوله ثمّ قلت له واضعًا كفّي – متعمّدًا بحركةٍ حافظٌ معناها في لغة الجسد – على كتفه وأربّت عليها: لا بأس، لا بأس، لا تهتمّ.

يبدو أنّ الحال الذي نحن فيه كبشرٍ مؤسفٌ حقًّا، فكلُّ واحدٍ منّا ما يزال نرجسيًّا بطريقةٍ أو بأخرى، تمامًا كما قال فروم: "كلٌّ منّا لديه نظرة غير موضوعيّة للعالم، وهو ما لم يدمّره نزوعنا النرجسيّ". ويعني بذلك أنّ كلّ شخصٍ يرى العالم من زاوية نظره، ويمكن أن يشوّه الوقائع والأشخاص بما في عقله، لا أن يراهم بما يبدون عليه.

وتمامًا كما عبّر ألبرتو مانغويل في عنوان روايته: "كلّ البشر كاذبون".

على أيّة حال، لم يلتفت أحدهم أنّني لم أقلّ إنّ لديّ الكثير ممّا يجب فعله في المنزل، بل قلت إنّ لدي ما أفعله. وإذا ما أراد أحدٌ الحقيقة، كنت أعود للمنزل وقضاء بعض الوقت الممتع بمفردي، في القيام بأمرٍ واحدٍ أو أكثر، فتارةً مثلًا أشرع في قراءة كتابٍ جديد. أحيانًا أمارس بعض الأنشطة الرياضيّة. ربّما أتناول وجبةً شهيّةً وصحيّةً من صنع يدي، وربّما أطلبها من مطعم. لا بدّ لي يوميًّا من الاعتناء بأشجاري الصغيرة المزروعة وملاحظتها. قد أشاهد فيلمًا ما كوميديًّا كان أو دراميًّا أو وثائقيًّا. تارةً أخرى أكتب شيئًا ما مثل هذا النّصّ. أمّا إذا ما فكّرتُ يومًا في الخروج من المنزل اخترت أهدأ الأماكن وأقلّها ازدحامًا، كشاطئ البحر أو مقهًى هادئٍ لشرب القهوة أو الشّايّ.

رأيت رؤى للمرّة الأولى في المكان الثاني. وبمحضّ الصدفة، بالصدفة فقط، كان كلانا يحمل معه روايةً للكاتب الفرنسيّ غيوم ميسو. هي من انتبه إلى ذلك أولًا في الحقيقة. بينما كنت أقرأ شعرت أنّ أحدًا ما ينظر إليّ، فرفعت رأسي ونظرت حولي حتّى اتجه بصري نحوها، فالتقت أنظارنا لمدّة ثلاث ثوانيَ – أو أكثر بقليلٍ جدًّا – استوعبَتْ خلالهن ما يحدث فقالت بعفويّة: أوه! عذرًا، أنت تقرأ للكاتب نفسه. سكتتُ وأخفضتُ طرفيّ نحو الكتاب مجدّدًا بلا مبالاة. اقتربتْ لمحادثتي واستأذنت في الجلوس بلطف وتهذيب. لم أرغب في إحراج امرأةٍ بطردها بفجاجة، كانت (لا) على طرف لساني فإذا بي أقول (لعم) فظنَّتْها (نعم) ثمّ جلسَتْ. أخبرتني إنّها تقرأ (عائدٌ لأبحث عنك) وأنّها ترى أنّ الّذي بين يديّ (نداء الملاك). أردت أن أخبرها أنّني قرأت ما بين يديها قبل أسبوعين أنذاك، ولم أفعل. سألتني إذا كنت قرأتُ للكاتب نفسه مسبقًا أعمالًا أخرى. أردت أن أجيبها بأنّني بصدد القراءة له للمرّة الرّابعة، ولم أفعل. أخبرتني أنّها تحبّ قراءة الأدب المترجم، وسألتني إذا كان ما أقرأ ممتعًا. أردت أن أجيب بإيجاب، ولم أفعل. تصفّحت روايتها سريعًا بحثًا عن صفحةٍ ما، وقرأت بهدوء: "لأنّ الفردانيّة مجرّد وهم. ولا مجال لأن نوفّر لأنفسنا الحظّ في تحقيق طمأنينة الذات إلا بالإسهام في تحقيق طمأنينة الآخر".

طفقَتْ تقوم من مكانها. أخذتُ أفكّر بينما كانت تدفع حسابها قبل المغادرة. تساءلتُ: من منّا يرغب في الاطمئنان؟ أسرعت نحو الباب في اللحظة الأخيرة متجاهلًا كتابي وقهوتي، أوقفتها بقولي سريعًا: مهلًا! قرأتُ (عائدٌ لأبحث عنك)، (نداء الملاك) هو الرابع، ما أزال في البداية، غيوم أسلوبه ممتع وشائق، وأظنّه يؤمن بالصدفة والقدر. فابتسمتْ، قالت إنّ اسمها رؤى، ثمّ غادرت.

شغلتني تلك الأسئلة عن البُكْمِ بالفعل، حتّى هذه اللّحظة. وزيادةً عليها أتساءل أيضًا، إنْ كان الأبكم أكثر سوءًا في حاله من منطوٍ على ذاته لا يفضّلُ الحديث كثيرًا، خاصّةً عندما يركّز في عمله، ولديه ما يفعله، أم كان الأقلّ.


تمّت. 11/10/2018م. 6:35ص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق