الأحد، 3 مايو 2020

1

 

عندما يريد أيّ شخصٍ كتابة سيرته الذاتيّة لوظيفةٍ ما، من المؤكّد أنّه سيذكر في البداية معلوماته الشخصيّة، متبوعةً بشهاداته الأكاديميّة، وبقيّة إنجازاته وما يحفل به.

 

من يرى سيرتي الذاتية سيجد الكثير من الأشياء، سيراني متفوّقةً في دراستي الجامعيّة، حاصلةً على شهادات تقديرٍ في عددٍ من المسابقات والمجالات والدّورات والمحافل الأخرى ممّا شابه ذلك. سيراني أعجوبة زمانه التي تتفنّن تارةً، وتلعب كرة المضرب تارةً أخرى. التي تشارك في مسابقةٍ للرسم، وتلتحق بدورةٍ في كتابة المقال الصّحفي، وتذهب لدراسة اللّغة اليابانيّة.

 

ليس هذا فحسب، لدي أيضًا بعض المهارات، ولهذا تعود إليّ عائلتي عند أيّ خللٍ في الحاسوب، وإن لم أعرفه. تسألني بنات خالاتي عن مقادير طبخةٍ قمت بتجربتها قبلهن. تستفسر صديقاتي عن أفضل الماركات لترطيب الشفاه. لديّ عضويةٌ في إحدى المواقع، فأجد بعض الرسائل من بعض الغرباء، يطلبون فيها رأيي عن بعض الكتب التي قرأتها مؤخرًا، وآخرون عن بعض الأفلام والدراما.

 

كنت مجدّةً دائمًا، أجري خلف طموحاتي. لقد كنتُ أفكّر: ليست الغاية أن أكون متميّزةً في شيء واحد ؛ لأنه عليّ أن أعرف أشياء كثيرة ومهارات متعدّدة، ألمّ بها وأحتويها بما يكفيني. هذه كانت وجهة نظري. فأنا لا أستطيع أن أكون فاشلةً في شيء. عليَّ أن أنجح دائمًا وحسب، ولو بدرجةٍ لا تقلّ عن تقدير الجيّد، -  فضلًا عن الحصول على درجة الامتياز في عددٍ من الأمور كذلك. –

 

عشت حياتي في سباق، وعجزت أن أكون الأولى في شيء، لذلك قررت أن أكون كلّ الأشياء. صدّقوني، لقد حاولت كثيرًا، ولهذا امتلأت سيرتي الذاتيّة بهذه الإنجازات ومصادر الفخر  التي لم أكن فيها الرقم "واحد" على الإطلاق.

 

كان من المحتمل أن أجري وأقع. كان من المحتمل أن أكون الثانية. كان من المحتمل أن أكون الأخيرة. بل كان من المحتمل أن أكون "الأولى مكرّر".

 

لكن أن أكون الأولى؟

 

هل يوجد ما يسمّى بعقدة الرقم "واحد"؟ كنت أفضل حالًا عمّن سواي، ولكنّي لم أكن الأفضل أمام نفسي. فقط بسبب هذه العقدة.

 

منذ طفولتي وأنا أسمع عبارات التهاني والتبريكات، بل إنّي أرى أغلبها في دفاتري المدرسيّة، فقد كانت معلّمتي تستعمل أمثالها من باب التشجيع. يقولون: مبارك. إلى الأمام دائمًا. منها إلى الأعلى إن شاء الله. حظًّا أوفر في المرّة القادمة. بالتوفيق دائمًا. هنيئًا لكِ.... ويقولون: عقبال أن نراكِ الأولى... وكانت هذه العبارة وشبيهاتها أقسى عليّ من مسكة جمر. كانوا يقارنون بيني وبين ابنة عمّي، كأنّي لا أسمع شيئًا. حصلت علياء على المركز الأوّل. وحصلت فلانة على المركز الثالث. لكن لا بأس فالمركز الثالث أيضًا جيّد.

 

كانت أمّي أيضًا تشجّعني بالقول: عليك الحصول دائمًا على الدّرجة الكاملة، عليكِ أن تكوني الأولى في جميع المواد. فلم تحصل أمّي على مبتغاها، ولم أحصل أنا أيضًا. كانت دائمًا هناك عثرة في الطريق. كانت ابنة عمّي، أو أيّ فتاةٍ أخرى سواي. فاتّهمتُ حظّي السيّئ وقدري اللّعين.

 

أدركُ تمامًا أنّ وجهة نظري السابقة، لم تكن إلا أشبه بخلقة خرقة لففتها وغطيت بها وجهي ؛ لئلا يعرف أحدٌ بشأن تلك العقدة.

 

تعرّفت عدنان في السّنة ما قبل الأخيرة من الجامعة. صار مقرّبًا لقلبي. بطريقةٍ ما أردت أن يكون... شيئًا ما في حياتي. وكنت أظنّني الوحيدة، الأولى، ولكن حتّى في المشاعر التي تأتيني من الناس. لم أكن يومًا الرقم "واحد" في حياة أحد. وهذا ما يحزنني. وأشعر وكأنّ هذا الرقم سياط أو عصا.

 

أردت التخلّص من العقدة، أو أردت أن أكون الأولى في حياة عدنان، أو أردت الحصول عليه نفسه؟ ربّما أردت أيضًا أن أمنحه الرقم "واحد"، الذي لا أُعطاه، لا أعرف تحديدًا.

 

كان وجودي بلا معنى. كنت الإغاثة والمدد، والشخص الذي يعيده للواقع. وكنت أضحك من نكاته السّخيفة، وألاطفه. لكن موقعي كان متأخّرًا عن تلك التي يحبّها حبًّا جمًّا، وهي... لو قلت إنها تستمتع بتعذيبه، أو قلت إنّها لا تصلح له، لكنت محقّة. لقد كنت السماء التي تلتقي بالبحر على امتداد خطّ الأفق للناظرين، ولكنّ البحر بعيدٌ عنّي في الحقيقة، في اندماجٍ مع الأرض. قد أكون بمثابة الضرّة التي تريد التهام كلّ شيء، وأنا ليست لديّ الرغبة في إفساد شيء، تركت الحبل على الغارب كما يِقال. فقط لأنّي، لست على ثقةٍ كافيةٍ بنفسي، وأشعر بالتعب من كثرة الجريان.

 

      لست نهرًا. أنا فقط... أردت... أن يبدأَ بي. عند أيّ أحد. تركته في نهاية المطاف. كان من العبث أن أستمرّ في علاقةٍ ركيكةٍ كهذه. حتّى بعد أن ساءت الأحوال بينهما، وسمحت لي الفرصة، لكنّي، بقيت على الرّقم الذي أنا فيه طوعًا. هذه المرّة تركت المنافسة من نفسي، وتركت السباق. العدميّة لي ولأعمالي! ما كان من اللازم وجودي منذ البداية. عرفت مكانتي، مهما ارتفعت فلن أكون الأولى.

وإذا ما صدقت مع نفسي قليلًا - أو حتّى كثيرًا - لو كان من اللازم أن أتسابق على شيء، لكان الجنّة وحسن الخاتمة. لكنّي نسيت وتغافلت ذلك ؛ كوني لا أستطيع معرفة النتيجة حتمًا.

 

فماذا أفعل؟ هل أجري؟ وفي أيّ اتجاه؟

 

عدت أدراجي. ودّعته، ودّعت كلّ شيء بعده. أغلقت هذا الكتاب بأكمله. عليّ الإسراع بالمضيّ قدمًا مجدّدًا. لا يهم إن كنت الأولى أو الأخيرة.

 

أنا المتأخّرة باللّحاق على نفسي.

 

     

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق